اخر الأخبار

أهمية التوبة

2096

من دعاء الإمام زين العابدين عليه السلام في ذكر التوبة: اللهُم يَا مَنْ لا يَصِفُهُ نَعْتُ الْوَاصِفِينَ، وَيَا مَنْ لاَ يُجَاوِزُهُ رَجَاءُ الراجِينَ، وَيَا مَنْ لاَ يَضِيعُ لَدَيْهِ أَجْرُ الْمُحْسِنِينَ عندما يجلس الكاتب أمام الحاسوب, ويبدأ بطباعة ما يجول في خاطره على صفحات حاسوبه, ويتعثر فكره في أية فكرة, فإنه مباشرة ينتقل إلى خيار التراجع عما كتب, ليقوم بتصحيح الفكرة, أو تصحيح الجملة التي كتبها بشكل خاطئ. وعندما يشتري الواحد منا حاجة من حاجاته, ويرجع بها إلى بيته مسروراً ليجد أنه قد أخطأ في خياره إذا بَانَ عيبها, فإنه مباشرة يعود إلى الكفالة ليستعملها في التراجع عن الشراء. وحين يتقدم الجيش في المعركة إلى أرض تصل إليه فيها نار الأعداء ولا يجد مفراً ولا ملاذاً للإحتماء منها, فإنه سرعان ما يتراجع إلى الوراء حفاظاً على قوته, ولإعادة الهجوم بشكل أفضل. وكذا الإنسان في كل مواقف حياته, كحين يتفوه بكلمة تسيء لصديق, فإنه يسارع للتراجع عنها ومحاولاً توضيح موقفه, وقد يعتذر عما صدر منه. وكثير من هذه الأمثلة تمر في حياة الإنسان. ولو تأملنا بشكل دقيق في تفاصيل حياتنا فإننا نجد أننا دائماً ما نحتاج لخيار التراجع هذا. وفي علاقتنا مع الله تعالى, لا بد لنا من هذا الخيار أيضاً. فلماذا نحتاج لذلك؟ دعانا القرآن الكريم إلى التوبة, واستعمل في الدعاء إليها كلمات ملؤها الرحمة, مع علمنا جميعا بأن الله تعالى غني عن عذابنا, وغني أيضاً عن عبادتنا, لنتأمل في قوله تعالى:﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رحْمَةِ اللهِ إِن اللهَ يَغْفِرُ الذنُوبَ جَمِيعًا إِنهُ هُوَ الْغَفُورُ الرحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُم لَا تُنصَرُونَ﴾ هنا دعوة بلسان الرحمة، فقول الله تعالى: “يا عبادي” دائماً ما يُشعر بالرحمة, كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَني فَإِني قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الداعِ إِذَا دَعَانِ﴾ .وهذا خطاب يستعمله الله تعالى لخطاب المؤمنين, ويُشعرَ المستمع له بالرحمة, فلماذا يدعونا الله تعالى بهذا الخطاب؟ إن دعوة الله تعالى لنا للتوبة والإنابة لأجل أمور: أنه رحيم بنا, ومن صفات الرحيم أن يقبل عذر المعتذر ويقيل عثرة المستقيل, وهذا معنى قوله تعالى:﴿إِنهُ كَانَ فَرِيقٌ منْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبنَا آمَنا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الراحِمِينَ﴾ كذلك أن التوبة هي بوابة الأمل للمؤمن المتعثر, ولولاها لهيمن القنوط على كل البشر, لأن كل البشر خطاؤون إلا من عصم الله, وقد نهى الله تعالى عن القنوط من رحمته. يقول عزّ من قائل:﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رحْمَةِ اللهِ إِن اللهَ يَغْفِرُ الذنُوبَ جَمِيعًا إِنهُ هُوَ الْغَفُورُ الرحِيمُ﴾ وفي الرواية أن الإمام أبا عبد الله الصادق عليه السلام استقبل القبلة قبل التكبير وقال: “اللهم لا تؤيسني من روحك ولا تقنطني من رحمتك ولا تؤمني مكرك فإنه لا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون” قلت(أي الراوي): “جعلت فداك ما سمعت بهذا من أحد قبلك”، فقال عليه السلام :”إن من أكبر الكبائر عند الله اليأس من روح الله والقنوط من رحمة الله والأمن من مكر الله” فلا بد إذاً من بوابة يتخلص بها الإنسان من عذاب الضمير الذي يحل به حينما يرتكب الذنب, وإلا فإنه سيقضي عمره ملازماً للشعور بالألم والذنب, وهذا ما سيكون معرقلاً له في الحياة, فضلاً عن الخسران اللاحق في الآخرة, إذ لا مفر من الحساب, ولكن مع وجود التوبة يقطع الطريق أمام اليأس وينفتح به باب الإنابة, وفتح الصفحات البيضاء الجديدة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى