اخر الأخباراوراق المراقب

الشعائر الحسينية وصناعة الوعي.. كيف تُبنى الثقافة وتُهدم؟

صباح الصافي..

في عالمٍ تتزاحم فيه الكلمات كما تتزاحم الجيوش، لم تعد المعركة تُخاض بالسُّيوف وحدها، إذ تُدار بالعقول قبل كلِّ شيء، وتُحسم داخل الوعي قبل أن تظهر على أرض الواقع. ولم يعد السُّؤال: من الأقوى عسكريًّا؟ وإنَّما: من الأقدر على صياغة المفاهيم، ومن الأنجح في زرع القناعات، ومن الأذكى في اختزال الأفكار داخل عبارات قصيرة تتسلل إلى العقول من دون استئذان.

هنا، وفي هذه النُّقطة المفصليَّة، تتولَّد “الشِّعارات” لا كعبارات عابرة، إنَّها قوى ناعمة خفيَّة تنفذ إلى أعماق الإنسان فتُعيد تشكيل وعيه من الدَّاخل، وتمتدُّ آثارها لتُعيد رسم ملامح الثَّقافة وحدودها في الخارج.

إنَّ الثَّقافة لا تُبنى دائمًا عبر الكتب المطوَّلة أو الخطابات المعقَّدة، وكثيرًا ما تُصاغ داخل جملة واحدة، تُكرَّر حتَّى تتحوَّل إلى بديهيَّة، وتُردَّد حتى تصبح معيارًا، وتُستهلك حتَّى تغدو جزءًا من طريقة التَّفكير. وهنا تكمن الخطورة: فكما يمكن لعبارة موجزة أن تبني وعيًا راسخًا، يمكن لعبارة أخرى أن تهدم منظومة كاملة دون أن يشعر صاحبها.

لذلك، فإنَّ فهم الشِّعارات والشَّعائر ضرورة حضاريَّة؛ لأنَّها تمثِّل البوَّابة التي تدخل منها الأفكار إلى العقول، والعدسة التي يُعاد من خلالها تفسير العالم. فكم من فكرة عظيمة ضاعت؛ لأنَّها لم تُحسن التَّعبير عن نفسها، وكم من فكرة منحرفة انتشرت؛ لأنَّها صيغت بذكاء لغوي جذَّاب. فالشِّعارات لها دور كبير في صناعة الوعي، وبناء الثَّقافة، وحتَّى هدمها.

الإنسان كائن يُصاغ فكريًّا

تُقرِّر النُّصوص الشَّريفة القرآنية والرِّوائية، مبدأً مهمًّا في فهم الطَّبيعة الإنسانيَّة، مفاده أنَّ الإنسان يبدأ حياته في حالة من الفراغ الإدراكي القابل للتَّشكُّل. يقول الله (تبارك وتعالى): (وَاللهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) فالآية تؤسِّس رؤية معرفيَّة دقيقة، تميِّز بين “العدم المعرفي الابتدائي” الذي يولد عليه الإنسان، وبين “الاستعداد المعرفي” المتمثِّل في الأدوات الإدراكيَّة التي وُهِبَها: السَّمع، والبصر، والفؤاد. وهذه الأدوات لا تعمل بمعزل عن البيئة؛ وإنَّما تتفاعل معها؛ حيث تنتقل المدركات الحسيَّة عبر السَّمع والبصر لتُعالج في الفؤاد، وهو مركز التَّقييم والتَّدبُّر، فتتشكَّل عبر الزَّمن شبكة من التَّصوّرات والمفاهيم. ومن هنا، يُفهم التَّفكير الإنساني بوصفه عمليَّة بنائيَّة مستمرَّة تتداخل فيها الخبرة الحسيَّة مع المعالجة الدَّاخليَّة.

وفي ضوء هذا الفهم، يظهر الطِّفل بوصفه كيانًا شديد القابليَّة للتَّأثر؛ إذ يعمل مثل جهاز تسجيل يلتقط الأنماط السُّلوكية واللغويَّة من محيطه المباشر. وما يميِّز هذه المرحلة التَّلقي، والنُّزوع إلى المحاكاة؛ حيث يسعى الطِّفل إلى إعادة إنتاج ما يراه ويسمعه، فتتبلور لديه تدريجيًّا البُنى الأوليَّة للتَّفكير. وهذه البُنى تتأسَّس ضمن سياقات متعدِّدة تبدأ بالأسرة، ثمَّ تمتدُّ إلى المدرسة، والبيئة الاجتماعيَّة الأوسع.

ومع تكرار التَّجارب وتراكمها، تتحوَّل هذه المدركات إلى ما يشبه “الأصول المعرفيَّة” التي ينطلق منها الفرد في تفسيره للعالم واتِّخاذه للمواقف. ولذلك، فإنَّ أنماط العيش اليوميَّة، والممارسات السُّلوكيَّة المتكرِّرة، تمثِّل مدخلات مستمرة في تشكيل النَّسق الفكري للفرد. ومن هنا جاءت الحكمة المأثورة: “من شبَّ على شيءٍ شاب عليه”، وهي تعبير موجز عن ظاهرة الثَّبات للبنى المعرفيَّة التي تتكوَّن في المراحل المبكرة.

وهذا الثَّبات لا يعني الاستحالة المطلقة للتَّغيير؛ لكنَّه يكشف عن صعوبة إعادة تشكيل ما ترسَّخ عبر سنوات طوال من التّكرار والتَّجربة. ومن هنا يمكن فهم سرِّ العناية البالغة التي أولتها النُّصوص الشَّريفة لمرحلة الطُّفولة، ولما قبلها أيضًا.

ففي النُّصوص الشَّريفة، نجد إشارات إلى أثر حالة الأبوينِ على الطِّفل حتَّى في مرحلة ما قبل الولادة. فإنَّ رحم الأم البيئة الأولى التي تتكوَّن فيها ملامح الوجود الإنساني، فهو الحاضنة التي يبدأ فيها تشكُّل الإنسان على المستويينِ الجسدي والنَّفسي. وفي هذا الإطار التَّكويني المبكر، يعيش الجنين حالة من الاندماج النَّفسي معها، بحيث تتسرَّب إليه -بصورة مباشرة أو غير مباشرة- مختلف المؤثِّرات التي تمرُّ بها. ومن هنا، فإنَّ هذا الوسط يُفهم بوصفه منظومة متكاملة من التَّفاعلات الحيويَّة والانفعاليَّة التي تنطبع آثارها في تركيبة الجنين.

وتشير المعطيات العلميَّة الحديثة في مجالات الطِّب، وعلم النَّفس الجنيني إلى أنَّ الحالة الانفعاليَّة للأم خلال فترة الحمل -سواء تمثَّلت في الاستقرار أو الاضطراب- تترك بصماتها الواضحة على النُّمو النَّفسي والسُّلوكي للجنين. فحالات القلق والتَّوتر والخوف والكبت النَّفسي تنتقل، فتؤثِّر في تشكيل الجهاز العصبي للجنين، الأمر الذي قد يظهر لاحقًا في صورة اختلالات عاطفيَّة أو صعوبات في التَّكيُّف الانفعالي لدى المولود.

كما ورد في روايات أهل البيت (عليهم السلام) ما يؤكِّد تأثير الحالة المعنويَّة للأبوينِ في صفات الولد، ومن ذلك ما رُوي عن النَّبيِّ الأكرم (صلَّى الله عليه وآله): “السَّعيدُ منْ سعد في بطنِ أمِّهِ”، وهو تعبير يكشف عن امتداد التَّأثيرات المبكرة إلى ملامح الشَّخصيَّة المستقبليَّة. وفي هذا السِّياق أيضًا، تُفهم التَّوصيات الكثيرة الواردة عنهم (عليهم السلام) بشأن الطَّهارة النَّفسيَّة، ودوام الذِّكر، واختيار الغذاء الحلال، بوصفها عناصر تدخل في تشكيل البيئة التَّكوينيَّة للجنين. ومن هنا نتوصل إلى مدى أهميَّة التفات الأم في دور الحمل إلى الابتعاد عن الأفكار المقلقة، والهمِّ، والغم، والاحتفاظ بجو الهدوء والاستقرار”؛ فإنَّ شهور فترة الحمل تؤثِّر في الثَّبات العاطفي للطِّفل إيجابًا أو سلبًا.

ولهذا السَّبب نجد التَّأكيد على أن تكون على وضوء دائم، وذكر مستمر، وتلاوة متواصلة، وأدعية متتاليَّة، وأخلاق حسنة. ثمَّ إنَّ هناك في الرِّوايات ما يدل على أنَّ الأم إذا مضغت اللبان (الكندر) أيَّام حملها يكسب الطِّفل الذكاء والفطنة، وأكل السفرجل يزيده جمالًا، وينبغي لها أن تكثر من شرب الحليب، وتناول العسل، وأكل العنب والكمثرى، وكذلك ينبغي لها أن تكون على طهارة وضوء عند المقاربة في أيَّام الحمل من الزَّوجينِ، وهكذا رعاية الرِّزق الحلال والطَّعام الحلال، كما ينبغي لها التزام الأمور الأخلاقيَّة والآداب الإسلاميَّة، وعليها الالتزام بقراءة القرآن، وخصوصًا سورة الرَّحمن والواقعة، وعند قرب الولادة سورة مريم، وعند الولادة سورة القدر، وينبغي لها بعد الولادة إرضاعه، وهي على وضوء وطهارة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى