اراء

كيف نجحت طهران في فرض معادلة وحدة الساحات؟

د. مهدي مبارك عبد الله..

واقعياً لم يعد الحديث عن “وحدة الساحات” مجرد توصيف إعلامي أو شعار سياسي تتداوله قوى المقاومة في المنطقة بل تحول خلال الأشهر الأخيرة إلى واحدة من أكثر الحقائق الاستراتيجية حضوراً في المشهد الإقليمي والتطورات المتلاحقة التي شهدتها المنطقة من غزة إلى جنوب لبنان ومن البحر الأحمر إلى العمق الإيراني أظهرت أن الشرق الأوسط قد دخل مرحلة جديدة من الصراع تختلف جذرياً عن قواعد الاشتباك التي حكمته لعقود خلت والأهم من ذلك أن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية نفسها باتت تتحدث بقلق متزايد عن نجاح إيران في فرض هذه المعادلة تدريجياً، رغم أن تل أبيب جعلت من منعها هدفاً استراتيجياً ثابتاً في كل مرحلة من الصراع ولسنوات طوال.

لا شك بان نجاح طهران في فرض معادلة وحدة الساحات لم يكن وليد لحظة عابرة أو نتيجة رد فعل ظرفي بل جاء ثمرة استراتيجية طويلة الأمد قامت على بناء شبكة متداخلة من التحالفات والقدرات العسكرية والسياسية والأمنية الممتدة من فلسطين ولبنان إلى العراق وسوريا واليمن وقد عملت إيران بتخطيط منظم على تحويل هذا الامتداد الجغرافي الواسع من مجرد حالة تضامن سياسي إلى منظومة ردع مترابطة حيث أصبح أي اعتداء على إحدى الساحات مسألة تخص المحور بأكمله.

اللافت ان ملامح هذه الرؤية تجلت بصورة واضحة عندما ربطت طهران أمن حلفائها بأمنها القومي بشكل مباشر، وان استهداف الضاحية الجنوبية لبيروت لم يعد يُنظر إليه باعتباره حدثاً لبنانياً محضاً كما كان الحال في السابق بل بات يحمل احتمالات ردود واسعة تتجاوز الحدود اللبنانية لتصل إلى العمق الإسرائيلي نفسه وهنا يكمن جوهر التحول الاستراتيجي الذي كانت تخشاه تل أبيب لأنه ينقل الصراع من مستوى الجبهات المنفصلة إلى مستوى المواجهة الإقليمية المترابطة والموحدة.

النقاشات الحادة في الغرف المغلقة داخل قيادة الجيش الإسرائيلي كشفت حجم هذا القلق المتصاعد من الواقع الجديد ووفق ما تسرب من مداولات كبار الضباط بات هناك إدراك متزايد بأن نجاح إيران في تثبيت معادلة وحدة الساحات سيقيد مستقبلاً قدرة إسرائيل على استخدام القوة بصورة منفردة في لبنان أو سوريا أو أية ساحة أخرى دون توقع ردود فعل متشابكة من أطراف المحور المختلفة في جبهات عدة وهذا يعني عملياً تراجع ما كانت إسرائيل تعتبره أحد أهم أصولها الاستراتيجية المطلقة والمتمثل في حرية العمل العسكري.

في المقابل، لم تعتمد طهران فقط على البعد السياسي والتنظيمي لإنجاح هذه المعادلة بل عززتها بمنظومة متطورة من القدرات الصاروخية والطائرات المُسيرة والحرب غير المتكافئة وانظمة الصواريخ الدقيقة بعيدة المدى والمُسيرات الهجومية والانقضاضية التي لم تعد مجرد أدوات ردع تقليدية بل تحولت إلى عنصر أساسي في بناء معادلة قاسية تجعل تكلفة أية مواجهة أوسع وأكثر إيلاماً للخصوم، وقد أثبتت التجارب الأخيرة أن هذه الامكانيات قادرة على تجاوز مسافات طوال وفرض تهديدات مباشرة على أهداف حساسة وهو ما أضفى على مفهوم وحدة الساحات بعداً عمليا حقيقياً وليس رمزياً فقط .

على الجانب الآخر من المعادلة نجحت إيران كثيراً في استثمار المتغيرات السياسية والدبلوماسية بصورة لافتة وبدلاً من الاكتفاء بإدارة الصراع عسكرياً سعت إلى تكريس مفهوم الترابط بين الساحات ضمن التفاهمات الإقليمية والدولية الجارية وبذلك انتقلت المعادلة من مستوى التنسيق الميداني إلى مستوى التأثير في هندسة التوازنات السياسية والأمنية للمنطقة وهذا ما يفسر المخاوف الإسرائيلية المتزايدة من أن تتحول وحدة الساحات إلى واقع معترف به ضمنياً في أي ترتيبات تفاوض مستقبلية.

بعض المحللين السياسيين والمراقبين الاستراتيجيين يتسألون بحذر إذا كانت طهران قد نجحت حتى الآن في فرض جزء مهم من هذه المعادلة إلا إن التحدي الأكبر الذي يواجهها مستقبلاً لن يكون في تثبيت مبدأ وحدة الساحات فحسب بل في الحفاظ على تماسكه واستمراريته والتنسيق المشترك بين أعضائه في مواجهة الضغوط الإقليمية والدولية الهائلة، على الرغم من أن المؤشرات الحالية توحي بأن المنطقة تسير بالفعل نحو مرحلة جديدة تُدار فيها الصراعات وفق توازنات مترابطة لا وفق جبهات منفصلة كما كان الحال سابقاً.

خلاصة القول: الرسالة التي تحملها معادلة وحدة الساحات تبدو الآن واضحة وصريحة للجميع بان زمن الحروب المحدودة التي تُشن على طرف دون حساب ردود بقية الأطراف بات يقترب من نهايته تدريجياً، وان الرهان الإسرائيلي على استعادة معادلة الاستباحة القديمة يبدو أكثر صعوبة من أي وقت مضى ومن هنا فإن استمرار الغطرسة الصهيونية والتعامل مع المنطقة بعقلية الاحتلال والقوة المطلقة قد يقود إلى نتائج معاكسة تماماً لما تخطط له تل أبيب وكلما ازداد الإصرار على فرض الوقائع بالسيطرة والنفوذ ازدادت احتمالات اتساع دوائر الاشتباك وتشابك الجبهات بصورة تجعل أية مواجهة مقبلة أكثر شمولاً وتعقيداً وكلفة وحين تفشل القوة في قراءة التحولات الاستراتيجية الكبرى فسوف تتحول تدريجياً من مصدر للردع إلى سبب مباشر في تسريع التغيير الذي كانت تسعى بكل قدراتها إلى منعه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى