اخر الأخبار

كيف نصنع وطنا أخضرا يسبح بالضوء؟!

يظل المكان ساكنا فينا، ولسنا نحن الذين نسكنه، وثمة تأثير مؤكد للأمكنة (جمع مكان)، في سلوكنا وفي بناء شخصيتنا، خصوصا طفولتنا ويفوعتنا وصبانا ومراهقتنا، ومن بين كل الأماكن، فإن مساقط رؤوسنا أشد تأثيرا فينا، من أي مؤثر آخر.
سأبوح لكم بعض أسرار مراهقتي، كنت أعرف أن في البيت المقابل لبيتنا فتاة، ولم يكن ممكنا أن أراها أو أحدثها، كنت أعرف شكلها منذ أن كنا صغارا، لكن ما إن كبرت؛ حتى إنغلق عليها “المكان”.
كنت أعلم أنها تقطن في غرفة في الطابق الثاني من دارهم، وكنت أرى من هذه الغرفة ضوء مصباح خافت،”ابو الأربعين واط مال أيام زمان” يضاء عند الغروب، وبإضائته تبدأ ملحمتي!
كنت بالحقيقة؛ أشعر بالإطمئنان كلما كان المصباح مضاءا، لكن ما إن يجن الليل ويطفأ المصباح، إلا ويعتريني هم غامض، لا أعرف له عنوان، لكني عندما كبرت وعرفت الطريق الى الأدب والمعرفة والكتابة، وصفت شعوري بأنه عشق للمصباح! ولأنني لم أر تلك الفتاة قط، مازلت أمر بحينا القديم؛ وكلما أمر أرفع رأسي الى الطابق الثاني، علني أرى ضوء المصباح!
ما زلت في أسرار مراهقتي؛ حيث كانت جدتي تزورنا كل شهرين مرة، وكنا صغارا ننتظر زيارتها بلهفة وشوق عارم، كانت عندما تأتي؛ تحمل “صرة” تفتحها وتنادي عليَّ وأخوتي واحدا بعد واحد، وكنا نفرح بهداياها، على الرغم من بساطتها ورخص ثمنها، لكنها هدايا الجدة.
كانت تقبلنا وأثناء تقبيلها لنا، تتلمس سواعدنا، وتنظر في عيوننا وتقول:”أشو ضعفان؟ هاي ما تاكل زين، يمكن عندك فقر دم، اكل تمر”..لكنها قبل الغروب تقول:”سيب ياكَلبي دا سيب ولا ليلة عند النسيب!” أشرحها لكم: إنها تقول: حتى لو أسيب في البراري فلن أبات ليلتي في بيت نسيبي!
حين كانت الجدة العزيزة تنطق تلك الكلمات، كنا جميعا نعرف أنه إيذان برغبتها في العودة، إلى منزلها الصغير في الحي الضيق بالمدينة القديمة، فرغم أننا كبارا وصغارا كنا نخدمها بتفان، لكنها لم تكن تريد أن تغيب، عن منزلها وحيها وجيرانها طويلا.
كانت الجدة مرة تتذرع بالزرع الذي لم يسق، كان عندها مساحة أربعة أمتار مربعة، زرعتها فجل وكرفس ورشاد، ومرة تتذرع بالحمام الزاجل، الذي يزور السطح بانتظام، والذي تعود أن تنثر له حبوب الحنطة، صباحا ومساء كيلا يهجر المكان.
الخلاصة أن أسبابا كثيرة، تجعل جدتي تؤثر منزلها الصغير، في ذلك المكان الضيق، لكن السبب الكبير والمبهم، الذي كانت لا تبوح به هو حبها للمكان ـ الوطن.
كلام قبل السلام: إذا زرعنا فجلا وكرفس ورشاد في باحات بيوتنا، وإذا أحببنا كل مصابيح الوطن فإن “مكاننا” وأعني به بلدنا، سيبقى أخضرا مضاءا بالحب أبد الدهور!
سلام…

قاسم العجرش

qasim_200@yahoo.com

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى