اراء

في ذكرى رحيل الجنة

منهل عبد الأمير المرشدي
في مثل هذا اليوم قبل عشرين عاماً، انطفأت منارة بيتنا وملاذنا، وغاب وجه كان يمدّنا بالنور إذا ما أظلمت دياجي حياتنا. حيث تمر اليوم ذكرى وفاة أمي الحبيبة، سيدةِ عمري وأميرتي المهيبة، ويمر معها شريط العمر المنساب لأجد نفسي أقف عاجزا أمام فيض الشوق الوثاب لنبرة صوتها الهادئ الدافئ الأرق في المذاق، ذلك الصوت الخافت الذي لا يكاد يسمعه أحد من الأنام لكنه كان يملأ أركان روحي بالطمأنينة والسلام. أمي الحبيبة.. يا لهفتي على الأيام التي أمست بعيدة.. ليت السنين تعود بي يوما لأغفو غفوة واحدة في حضنك الدافئ حيث كان أمان ذاتي وسكينة قلبي بين ثناياك. لم تكن أمي مجرد امرأة صابرة في دواهي الزمن ولا عابرة في محطات الشجن بل كانت روحا استثنائية النماء خلقت من طين نقي وجبلت بماء الورد والأدب والثناء. حين أستحضر جمال روحها البهي لا أجد ملامح تختصرها الكلمات في المدى بل أرى جمالاً روحياً خالصاً كالسماء وكمالا في الأخلاق والوفاء وتماما في العفة والستر والعطاء. لقد كانت رحمة الله عليها كأنها صورة مجسدة لعفة العذراء في طهرها المصون ومستمدة حيائها من سبط نور الزهراء في هيبتها والوقار المكنون. امرأة كلما نظرت إليها شعرت أن الطهر قد مشى على الأرض مرسوماً بين سواد عباءتها وأن الحياء قد اتخذ من ملامحها مسكنا عند أعتابها. صدقوني لا أبالغ ولن أبالغ في هذا المقام فمن عرف أمي أدرك أنني أنطق بالحق والصدق التام.. ليت كل النساء تشبهها في البهاء.. ليتهن بمثل عقلها الراجح في السراء والضراء وثقلها وسترها الذي كان تاجا تزهو به في ذرى العلياء ووقارها الذي يرافقها هيبة واحتراماً لا حد له على كل من رآها. كانت تحتوي بيتنا ومن فيه بسكينة عجيبة وتنشر الأمان بابتسامةٍ قريبة وتمتص القلق بلمسة يد حنون مجيبة، لم يأخذها هوى الدنيا في الخفاء والعلن ولم يسمع منها ما يشاع من كلام في نساء هذا الزمن، عاصرت نساء كثيرة ورأيت من طباع البشر العجب العجاب لكنني لم أجد امرأة تشبه أمي في كمال حشمتها وعلو همتها التي بلغت السحاب. كانت هي مدرستي الأولى في مدارج العلا وحلم عمري الأجلى وهويتي التي أعتز بها فخرا على الملأ .لقد بشرنا الرسول الأعظم، والنبي الأكرم صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين بأن الجنة تحت أقدام الأمهات وإنني بما رأيته من أمي في حلها وترحالها وعرفته من فعالها وما أدركته في يقينها الصادق وإيمانها الطاهر في كل أحوالها أقولها بملء فمي إن أمي لم تكن مجرد شفيعة لنا لدخول الجنة بل إن أمي كما عشت في كنفها الظليل كانت هي الجنة في ذاتها لم نكن أهلا لها فارتحلت قبل أوانها ورحل معها دفء الروح وبلسم الجراح، لكن ذكراهاِ العطرة الفواحة بالمسك وأخلاقها التي تشبه نور الفجر ستبقى محفورة في وجداني ما حييت.
سلام على روحك الطاهرة أمي الحبيبة في علياء الخلد وجمعني الله بكِ في جنةٍ تشبه قلبكِ النقي إنه سميع مجيب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى