كل الطرق تؤدي إلى بكين

بقلم: رمزي ميركاني
في أسبوع دبلوماسي استثنائي، وفي مشهد نادر يعيد رسم خريطة التوازنات الدولية، تحولت العاصمة الصينية بكين إلى “مركز ثقل” لا يمكن تجاوزه في الجغرافيا السياسية العالمية. ففي تسلسل زمنّي محكم ومدروس، استقبلت بكين رئيسي أكبر قوتين عسكريتين في العالم خلال أيام معدودة؛ فما إن غادر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأراضي الصينية بعد زيارة وُصفت بالحفاوة البالغة، حتى حطّ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين رحاله في “المدينة المحرمة”، في خطوة تؤكد أن خيوط اللعبة الدولية باتت تُنسج في أروقة قاعة الشعب الكبرى.
لحظة تأريخية ورمزية عميقة
وصفت الصحافة الصينية، وعلى رأسها “غلوبال تايمز”، هذا التزامن بأنه حدث “نادر للغاية في حقبة ما بعد الحرب الباردة”. ويرى مراقبون أن توجه واشنطن وموسكو نحو بكين في وقت متقارب يحمل دلالة رمزية عميقة؛ إذ لم يعد من الممكن طرح أي أجندة دولية كبرى -سواء تعلقت بالتعافي الاقتصادي، أو التغير المناخي، أو الأمن الإقليمي- دون المرور عبر البوابة الصينية. ولم يقتصر هذا التدفق الدبلوماسي على القطبين الأمريكي والروسي، بل شمل قادة الأعضاء الدائمين الآخرين في مجلس الأمن، مثل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، مما يكرس بكين كوجهة إجبارية لصناع القرار العالمي.
واشنطن وبكين.. تهدئة بروح براغماتية
اختتم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب زيارته الأولى للصين منذ تسع سنوات واصفاً إياها بـ”النجاح الكبير”، ومعلناً عن عصر جديد من الاستقرار الاستراتيجي البَنّاء. ورغم الثناء المتبادل، يرى المحللون أن الهدف من هذه القمة لم يكن سد فجوة الثقة العميقة، بل كان “منع التصعيد غير المقصود” وإدارة التنافس بشكل منظم بدلاً من الصِّدام العدائي. ومع ذلك، غادر ترامب بكين دون تحقيق اختراق ملموس في ملفات شائكة مثل الحرب في أوكرانيا أو التوتر مع إيران، مما ترك الباب موارباً أمام بكين لممارسة دورها الخاص في هذه القضايا.
موسكو وبكين.. شراكة ثابتة كالجبل
في المقابل، تأتي زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لتعكس طبيعة مختلفة تماماً من العلاقات؛ فهي ليست مجرد زيارة بروتوكولية، بل هي تأكيد على تحالف استراتيجي راسخ وصفه وزير الخارجية الصيني وانغ يي بأنه “ثابت كالجبل لا تحركه الرياح ولا الأمطار”. وتتزامن هذه الزيارة مع الذكرى الثلاثين للشراكة الاستراتيجية بين البلدين، حيث تسعى موسكو، التي تواجه عزلة غربية، إلى طمأنة شريكها الصيني وتعزيز الاعتماد المتبادل.
بوتين، الذي يصف الرئيس شي جين بينغ بـ”الصديق العزيز”، يدرك تماماً أن بكين أصبحت الرئة الاقتصادية لبلاده والمشتري الرئيس للنفط الروسي. وفي رسالة مصورة، أكد بوتين أن العلاقات بلغت “مستوى غير مسبوق”، مشدداً على أن هذا التحالف ليس موجهاً ضد طرف ثالث، بل يسعى لضمان الاستقرار العالمي في مواجهة “الهيمنة” الأحادية.
اقتصاد الطاقة والذكاء الاصطناعي.. لغة الأرقام
خلف الستار الدبلوماسي، تقف أرقام التجارة كضامن أساس لهذه العلاقات. فقد ظلت الصين الشريك التجاري الأكبر لروسيا للعام الـ16 على التوالي، بحجم تجارة تجاوز 227 مليار دولار في عام 2025. والتعاون بينهما لم يعد يقتصر على بيع النفط والغاز، بل امتد ليشمل آفاقاً مستقبلية مثل الذكاء الاصطناعي، والزراعة، واستكشاف الفضاء، وتحديداً دراسة التربة القمرية.
ويرى خبراء أن تعزيز التعاون في مجال الطاقة يمثل حجر الزاوية في المحادثات الراهنة، خاصة مع سعي بكين لتأمين احتياجاتها من الطاقة الروسية بأسعار تفضيلية، في ظل اضطراب سلاسل التوريد العالمية والضغوط الأوكرانية على البنية التحتية للطاقة في روسيا.
تعددية قطبية في عالم مضطرب
بينما تحاول واشنطن الحفاظ على نفوذها، تسعى بكين وموسكو معاً لدفع النظام الدولي نحو “تعددية قطبية أكثر عدلاً”. وتبرز الصين هنا كطرف يدّعي الحياد في النزاع الأوكراني، رغم الانتقادات الغربية، حيث يرى مراقبون أن غياب النتائج الواضحة في لقاء “شي-ترامب” بشأن أوكرانيا قد طمأن موسكو إلى أن بكين لن تبرم صفقات على حساب المصالح الروسية.
وفيما يخص الملف الإيراني، تظهر بعض التباينات الطفيفة؛ فبكين تفضل استقرار الملاحة في مضيق هرمز لضمان تدفق تجارتها، بينما قد ترى موسكو في استمرار التوتر في الشرق الأوسط وسيلة لرفع أسعار الطاقة وتخفيف الضغوط عنها. ومع ذلك، يظل التنسيق الإستراتيجي هو العنوان الأبرز لهذه المرحلة.
الخلاصة.. بكين محوراً للعالم
لقد أثبت الأسبوع الدبلوماسي في بكين أن “كل الطرق باتت تؤدي إلى الصين”. فبين انفتاح حذر وبراغماتي على واشنطن، وترسيخ استراتيجي عميق مع موسكو، نجحت بكين في تنصيب نفسها كقوة استقرار في عالم متزايد الاضطراب. إن مشهد استقبال ترامب بحفاوة، يليه استقبال بوتين كـ”صديق قديم”، يلخص الاستراتيجية الصينية ببراعة: التموضع في قلب العالم، حيث لا يمكن اتخاذ قرار دولي وازن دون مباركة صينية، مما يمهد الطريق لبناء “مجتمع المستقبل المشترك للبشرية” تحت مظلة صينية واثقة.



