الهيمنة واغتراب المثقف العربي بين السلطة والمتخيّل الأيديولوجي

علي حسن الفواز..
قد يبدو مفهوم “الهيمنة” من أكثر المفاهيم التباسًا وتعقيدًا في التعاطي مع التمثيل الثقافي بشكل خاص، لأننا تعودنا أن نرى تلك الهيمنة جزءًا من السلطة، ومن المركزيات الفائقة في السياسات، وفي تداوليات الخطاب الديني أو الخطاب الاجتماعي والسياسي، أو في طبيعة تمثيل علاقتها بالرمزيات الكبرى التي تتحكم بـ”العقل العربي”.
الحديث عن علاقة الهيمنة بالثقافة، أو بصناعاتها، يتطلب مراجعة لهوية تلك الهيمنة، وللمدى الذي تتحرك فيه بوصفها إجراءً نقديًا، أو مجالًا أنثروبولوجيًا يؤسس للثقافة توصيفًا عبر الخطاب، وعبر الأنساق التي تُخفي كثيرًا من “المقموع والمسكوت عنه”.
وإن تمثيلها يرتبط بما هو رمزي وتعليمي وطقوسي ونقدي، وهذا ما يجعل موضوع تأطيرها رهينًا بـ”السلطة” و”المجال العام” على مستوى ما هو مفهومي، وما هو أيديولوجي، وعلى مستوى تمثيل المؤسسات الفاعلة والقامعة في آن معًا، مثل الأسرة والمدرسة والجامعة والجامع والمجتمع المدني. وهي بيئات واسعة، لكنها لم تتحرر من لاوعي السلطة ومؤسساتها، ولا من نظامها المسؤول والمتعالي في إداراتها، وفي صياغة مناهجها، وتعيين الفاعلين الرئيسيين في أجهزتها.
الحديث “المتعسف” والضيق عن الغرامشوية، وعن علاقتها بمفهوم الهيمنة، يكشف عن “القصور المنهجي” الذي يجعل الأمر محصورًا في سياق علاقة قسرية، وفي تواتر بعض البداهات، بعيدًا عن أي تحليل أو إجراء في التعاطي مع ما يتعلق بخطورة الهيمنة في التمثيل الثقافي والديني والشعبوي، حيث يرتبط مفهوم “الهيمنة” بالقوة التي تطرحها عبر مركزيات كبرى تتجوهر حول أدوات السلطة، وحول الخطاب الذي تصنعه بوصفه أداة للقمع، ومرجعًا للفتوى، أو للمقدس، أو لتمثيل مركزية الأيديولوجيا، أو قناعًا للزعيم السياسي أو الطائفي أو القومي.
لا شك أن موضوع الهيمنة الذي أشار إليه أنطونيو غرامشي في كتابه “دفاتر السجن” مهم جدًا في تأريخ المفهوم، وفي إعطائه قوة فلسفية، لكنه سيظل قاصرًا في تمثيله الثقافي عربيًا، لأنه كان جزءًا من “بيئة ثقافية” لها عمق نافذ في تاريخ حركة النهضة الإيطالية والتنوير الأوروبي والإصلاح الديني، في الوقت الذي كانت فيه “البيئة العربية” خاضعة لهيمنات معقدة، ولهجنات ثقافية ولغوية لا رائحة للتنوير والإصلاح فيها، حيث اختلط في تشكيلها الاستعمار العثماني بالفرنسي والإيطالي والإنكليزي، وعلى نحو ظلت فيه الهيمنة بمفهومها الرمزي ذات طابع محلي، حيث رجل القبيلة، ورجل الدين، والتاجر، والزعيم الوطني.
وهذا جعل من موضوع “الهيمنة” أكثر غموضًا في التعاطي مع قضايا إشكالية مثل “الحرية” والوطن والجماعة والأمة والحزب والمقاومة، التي اكتسبت في سياقها طابعًا قرابيًا وعصابيًا، جعل من مفهوم الهيمنة جزءًا من التمثيل الشرعي، ومن الخضوع الأيديولوجي، أو الذوبان الجماعاتي.
فمع الحديث عن سجون “نقرة السلمان والحلة وبعقوبة وخلف السدة”، برز أنموذج المثقف الثوري/ الضحوي ليفرض هيمنة متخيلة داخل الاجتماع السياسي والأيديولوجي والثوري، مثل مظفر النواب، وألفريد سمعان، وفاضل ثامر، ويوسف الصائغ، وجمعة اللامي، وهاشم الطعان، وناظم السماوي، وفاضل العزاوي وغيرهم.
رغم الحديث عن رمزية التمثيل الثقافي لـ”الهيمنة”، إلا أن أزمة تداولها كمفهوم لم تتجاوز عقدة “السلطة” والديكتاتور والاستبداد، رغم الحضور الرمزي والنفسي للمثقف البطل/ الشهيد، أو السجين، أو المنفي، أو المقاوم، لأن السلطة ظلت هي الجهة التي تحتكر المؤسسات والفضاءات، وأن لاوعيها سيظل صانعًا للخوف والقمع والمراقبة، حيث حيازة القدرة على رصد الجماعات التي لا يجمعها سوى الطقوس والولاء الديني والقرابي، التي تفتقر لأي رأسمال مستقر، أو مؤسسات حمائية، أو بنى فوقية مؤسساتية أو اجتماعية أو تنظيمية مستقرة.



