الإماراتيون في دمشق.. عودة سياسة “الخطوة مقابل خطوة”؟

بقلم: جو غانم..
لم تمضِ أيام قليلة على وصول وفد رجال الأعمال الإماراتيين إلى دمشق، وإعلانهم الحضور لغرض دراسة توقيع عقود استثمارية بمليارات الدولارات في مختلف المحافظات والمناطق السورية، وخصوصاً في دمشق والساحل، حتى بدأت العملة السورية بالانهيار، ليقفز سعر الدولار خلال أيام، إلى /14000/ ليرة للدولار الواحد.
وبالطبع، رافق ذلك ارتفاع كبير في أسعار مختلف السلع والبضائع والمواد، ومنها المحروقات والكهرباء والمواد الغذائية والأساسية الضرورية لمعيشة المواطن السوري.
كما تزامن ذلك أيضاً، مع بدء موسم حصاد القمح، الذي جاء وفيراً جداً هذه السنة، على عكس السنوات السابقة، وتسعير الحكومة لطنّ القمح الواحد، بأقلّ من تكلفته على المزارع. وكذلك ارتفاع أصوات مزارعي التبغ، الذين سلّموا محاصيلهم لمؤسسة “الريجي” بداية شهر آذار الفائت، ولم يقبضوا ثمنها حتى الآن.
وخلال ذلك كلّه أيضاً، أصدرت الرئاسة السورية قراراً بإعفاء حاكم مصرف سوريا المركزي، السيد عبد القادر حصرية، من مهامه، وتكليفه بمهمة دبلوماسية كسفير للجمهورية العربية السورية في كندا، وتعيين محمد صفوت عبد الحميد رسلان، حاكماً جديداً للمصرف المركزي في البلاد.
لا يفهم المواطن السوري هذا التخبّط الإداري وتلك الفوضى العارمة التي يشهدها الاقتصاد السوري، والتي تزيد معاناته يوماً بعد يوم، ليس فقط بسبب الغلاء الذي فاق كلّ قدراته الشرائية على مواكبة الأسعار، بل أيضاً بسبب انعدام الأعمال والأشغال في السوق السورية، التي بات ولوجها، حتى بالنسبة لأصغر المستثمرين المحليين، ضرباً من ضروب المغامرة التي ستقضي، حُكماً، على ما تبقّى لديه من قدرات استثمارية.
أمّا بالنسبة للمستثمر القادم من الخارج، فحتى عندما تنجح الحكومة في جذبه وتشجيعه، فإنه يصطدم على وجه السرعة، ببيئة استثمارية غير مقبولة أو آمنة على الإطلاق، فالإدارات التي تتولى هذا الشأن، مترهّلة ومتآكلة وتعاني من عدم وضوح في الصلاحيات أو القدرة على الحزم وتأمين البيئة القانونية التي من المفترض أن تحمي المستثمر وأمواله وأعماله.
لكنّ الخطوة الإماراتية بحدّ ذاتها، لها دلالاتها اللافتة على مستوى الإقليم، كما على صعيد الصورة التي تحاول دمشق أن ترسمها لنفسها. فالأمر بالنسبة لأبو ظبي، لا يتعلّق بفرص استثمارية صرفه، بل بمشروع سياسيّ تريد العاصمة الخليجية أنْ تمسك بأطرافه كلاعب رئيسي في المنطقة، وهو مشروع متعلّق بالحرب على إيران وقوى المقاومة في المنطقة، بكلّ تأكيد.
لقد قصد رئيس المرحلة الانتقالية الجولاني دولة الإمارات، لأكثر من مرة بعد تولّيه الحكم. لكنّ الزيارة الأخيرة كانت أكثر جدّية ووضوحاً على جميع المستويات.
فمن جهة، وجدت دمشق بعد سنة ونصف السنة، أنّ الوعود الاقتصادية الغربية والتركية والقطرية، ولاحقاً السعودية، لم تتحقّق أبداً، ولهذا أسبابه طبعاً، ومنها أنّ دمشق بدورها، لم تنفّذ الشروط المطلوبة منها.
فكان الاتجاه للإمارات في هذه اللحظة السياسية والعسكرية الفارقة، خطوة سورية ذكية برأي بعض القيادات في دمشق. ففي الوقت الذي تواجه فيه الإمارات ردّاً عسكريّاً قاسياً وحاسماً من قبل إيران، تحرص بعض الدول العربية، ومنها دول خليجية، على النأي بنفسها، أو النجاة بكلمةٍ أوضح، من العقاب الإيراني.
لدرجة أنّ أيّاً من تلك الدول، لم تدعُ إلى اجتماع عاجل أو لاحق لجامعة الدول العربية، لإعلان التضامن الصوريّ أو المعنويّ مع أبو ظبي. بل توقّف الأمر عند بيانات رسمية أحادية مرتبكة لا تُرضي الإمارات. فأرادت دمشق أن تُظهِر موقفاً متفرّداً، حين أعلنت اصطفافها مع أبو ظبي، بل عرضت أن يكون هذا الاصطفاف مستداماً وثابتاً وله ما يليه من خطوات لاحقاً.
وفي المقابل، طلبت دمشق دعماً اقتصاديّاً إماراتيّاً يقوّي موقفها ويجعل من تكريسه عمليّاً، أمراً ممكناً. وهنا، لا بدّ من التوقّف قليلًا عند بعض التقارير العربية التي تحدّثت عن (دفع أبو ظبي لثمن دخول الجيش السوري إلى لبنان، لقتال المقاومة الإسلامية هناك)، والواقع أنّ هذا الطرح قد جرى تداوله في دمشق، لكنّ الإماراتيين أنفسهم، يعلمون أنّ دمشق لا تستطيع القيام بأمر كهذا الآن، وذلك لأسباب عديدة؛ منها ما يتعلّق بالفيتو التركي على هذه الخطوة، ومنها بالتأكيد، ما يرتبط بقدرة المقاومة والشعب اللبناني، على تحويل خطوة كهذه، إلى كارثة حقيقية على المنطقة وليس فقط على البلدين.
وهنا، عادت الإمارات إلى اتباع السياسات السابقة التي كانت قد انتهجتها مع النظام السوري السابق في سنواته الأخيرة، ومنها سياسة “الخطوة مقابل خطوة”. أي أنّ الإمارات جاهزة لإعلان المساعدة الاقتصادية، بل والبدء ببعض الاستثمارات السياحية الخفيفة، مقابل أن تبدأ دمشق بتأمين البيئة السياسية الداخلية التي يمكن أن تحوّلها إلى “حليف” راسخ وواضح المعالم، وقادر عمليّاً على الدخول في “المشروع الإبراهيمي” الذي تتبنّاه مع “إسرائيل”.
وأوّل شروط هذا الأمر التي عرضها الإماراتيون، هو إبعاد المتشدّدين عن الواجهة، و”توحيد الفتاوى” بهدف كبح التطرّف الطائفي وفوضى التكفير المنتشرة داخل المجتمع السوري، والتي أدّت وتؤدّي إلى عمليات قتل وخطف وغياب للأمن وانكفاء لمكوّنات سورية كاملة عن المشهد. والبدء بإصلاح إداري ومؤسساتي وقضائيّ حازم وواضح.
وتريد الإمارات هنا، خلق بيئة سياسية وأمنية تحوّل سوريا إلى “دولة ممسوكة وقوية” تستند إلى واقع متين يُمكّنها من التموضع الإقليمي أوّلاً (وبالتالي قادرة على “العمل” في لبنان ضدّ المقاومة ومواجهة إيران في الإقليم أيضاً). ثمّ إيجاد بيئة عمل آمنة يمكن جعلها “نموذجاً” جيداً ومقبولاً بالنسبة للداخل السوري، كما للإقليم. وقبل هذا كلّه وبعده، يجب على دمشق أنْ تعلن مواقفها النهائية على صعيد المفاوضات مع “إسرائيل”، وتصل إلى اتفاق معها في أسرع وقت ممكن.
وربطاً بالخطوة الإماراتية، وبالتزامن معها، فقد قصد المبعوث الأميركيّ، توم برّاك، “تل أبيب” الأسبوع الماضي، وبقي فيها لساعات قبل أن يقفل عائداً إلى دمشق، حاملاً نسخة جديدة من الشروط الإسرائيلية التي يرى قادة كيان الاحتلال أنها ضرورية لتأمين اتفاق نهائيّ مع دمشق.
وفي المعلومات، فإنّ “إسرائيل” تريد أن يُقسّم “جبل الشيخ” إلى قسمين، قسم يستأجره الكيان لمدة 49 عاماً، وقسم تحتفظ به “إسرائيل” دائماً. وأنْ يُمنع على الجيش السوري أن يكون موجوداً في محافظتي درعا والقنيطرة، وأن يقتصر الوجود الرسمي على قوات الأمن والشرطة في المحافظتين.
ثم أن توافق دمشق على إعادة دمج محافظة السويداء بشروط جديدة، منها أن يصبح “الحرس الوطني” المحليّ، هو الجيش السوري في السويداء، وأن تدير المحافظة شؤونها بنفسها تحت مظلة الدولة السورية، لكنْ من دون تدخّل من دمشق.
ثم أن يتولّى الرئيس الانتقالي مسؤولية عزل وإبعاد مسؤولي “هيئة تحرير الشام” من الواجهة السياسية والأمنية والإدارية في الدولة السورية، على أن يبقى هو وشخصيات الصف الأول في قيادة البلاد، مع ضمانات إسرائيلية بعدم القيام بأيّ أعمال عدائية تستهدف تغيير النظام السوري. وتفيد المعلومات هنا، أنّ “إسرائيل” قد رفضت طلب دمشق بالعودة إلى اتفاق وقف إطلاق النار عام 1974 والتعديل عليه. وكانت هذه الشروط نفسها، قد سُلّمت، بالتزامن، للقائم بالأعمال السوريّ في العاصمة الأميركية واشنطن.
الملاحظ قبل كلّ شيء، أنّ العديد من تلك المطالب، كانت قد عُرضت على النظام السوري السابق، مقابل العديد من الوعود المشابهة، ومنها التعويم السياسي ودعم اقتصاد البلاد. فهل يستطيع النظام السوري الحالي، المضي قدماً فيما رفض، أو عجز النظام السابق عن إنجازه أو المضيّ فيه؟
الواقع هنا، أنّ بوادر الاصطدام الأمني مع المقاتلين الأجانب (وهو أحد الملفات المطلوب مواجهتها وحلّها) قد لاحت في الأفق مؤخّراً. وقد بدأ الأمر مع المقاتلين “الأوزبك” في ريف محافظة إدلب.
وتكشف الوقائع عن صعوبة هذا الملف، خصوصاً أنّ هؤلاء الأجانب قد شعروا بخطر شديد يتمثّل في إمكانية التخلّي عنهم أو تقديمهم كقرابين.
الأمر الذي دفع تنظيم “داعش” الإرهابي، إلى تقديم نفسه، من خلال منشورات انتشرت مؤخراً، باعتباره الملاذ الشرعيّ لكلّ أولئك الذين يشعرون أنّ النظام السوري الحالي لم يلتزم بالطروحات التي قدّمها لهم سابقاً.
ومع بدء تحرّكات التنظيم في الشرق السوري مؤخّراً، واستغلاله للحالة الاقتصادية الخانقة التي تعاني منها شرائح واسعة من الشعب في تلك المناطق، ثم أزمة المقاتلين الأجانب التي يرى التنظيم أنها تُشكّل فرصة كبيرة لإعادة التجنيد.
أضف إلى ذلك حالة الغليان الشعبي العامة التي يزيدها غلاء الأسعار وانعدام فرص العمل وغياب الأمن، استعاراً. وعليه فإنّ الأزمات التي تواجهها الحكومة السورية حاليّاً، تبدو أكبر بكثير من القدرة على حلّها قريباً، من دون مساعدة كبيرة من الخارج تشمل مختلف الصعد.
هذا الخارج نفسه الذي يربط مساعداته بإنهاء العديد من تلك الملفات والاستحقاقات. وعليه، فإنّ البلاد تقبع الآن داخل دوامة لا أحد يعرف كيفية الخروج منها من دون حدوث أضرار بالغة جدّاً. والحال تلك، فإنّ الخطوة الإماراتية نفسها، لا تبدو قابلة للتطوّر واقعيّاً في المدى المنظور، فالواقع أكثر تعقيداً من القدرة على تغييره من خلال ترميم بعض المساجد، أو إنشاء فندق على طريق غير آمنة إطلاقاً.



