اخر الأخبار

العفو تاج المكارم

1731

الظلم لغة: وضع الشيء في غير موضعه، فالشرك ظلم عظيم، لجعله موضع التوحيد عند المشركين.وعرفاً هو: بخس الحقّ، والاعتداء على الآخرين، قولاً أو عملاً، كالسباب، والاغتياب، ومصادرة المال، واجترام الضرب أو القتل، ونحو ذلك من صور الظلامات الماديّة أو المعنويّة.يتنوّع الظلم صوراً نُشير إليها إشارة لامحة: أوّل ما يتبادر إلى الذهن من أنواعه هو ظلم الآخرين، سواء الظلم الفرديّ أم الاجتماعيّ، كأن يظلم الإنسان صديقه أو قريبه أو عائلته وأرحامه، أو كأن تظلم جماعة جماعة أخرى، أو كأن يظلم حاكم رعيّته، أو رئيس مرؤوسيه.وأبشع المظالم الاجتماعيّة، ظلم الضعفاء، الّذين لا يستطعيون صدّ العدوان عنهم، ولا يملكون إلا الشكاة والضراعة إلى العادل الرحيم في أساهم وظلاماتهم.فعن الباقر عليه السلام قال: لمّا حضر عليّ بن الحسين عليه السلام الوفاة، ضمّني إلى صدره، ثم قال: “يا بُنيّ أُوصيك بما أوصاني به أبي حين حضرته الوفاة، وبما ذكر أن أباه أوصاه، قال: يا بُنيّ إياك وظلم من لا يجد عليك ناصراً إلاّ اللّه تعالى”.ظلم الإنسان نفسه: وهناك نوع من الظلم لا يلتفت إليه الكثير من الناس، وهو ظلم النفس، حيث يحسب الكثير منهم أنّهم أحرار اتّجاه ذواتهم، فيُسيؤون إليها بأن يضعوها في المواضع الّتي لم يُرِد الله لهم أن يضعوها فيه، وأن يبخسوا حقّها، ويعتدوا عليها.وبكلمة مختصرة ظلم النفس يتحصّل بعصيان الله وعدم طاعته.﴿ونفْسٍ وما سوّاها * فألْهمها فُجُورها وتقْواها * قدْ أفْلح من زكّاها * وقدْ خاب من دسّاها ﴾.وعن أمير المؤمنين عليه السلام قال: “ظلم نفسه من عصى الله وأطاع الشيطان”.ومن يظلم نفسه الّتي هي أحبّ إليه من أيِّ شيء سيظلم غيره، يقول الأمير عليه السلام: “كيف يعدل في غيره من يظلم نفسه؟!” هذا وظلم النفس قد يغفره الله إذا اعترف الإنسان بذنبه وتاب إلى ربّه توبة نصوح، ولكنّ ظلم الآخرين أكثر تعقيداً ,ومن هنا كان من الحسن أن نعفو عمّن ظلمنا، لأنّنا إن لم نعفُ عنه، ابتعد عن رحمة الله، فكما تطلبون العفو من الله عن ظلم أنفسكم فاعفوا عن الناس عسى أن يغفر الله لكم.”اللهمّ إنّك أنزلت في كتابك العفو، وأمرتنا أن نعفو عمّن ظلمنا، وقد ظلمنا أنفسنا، فاعفُ عنّا، فإنّك أولى بذلك منّا..”.إنّ الله جلّ جلاله واسع الرحمة والمغفرة، كما وصف ذاته المقدّسة في محكم كتابه الكريم: ﴿إِنّ الله كان عفُوًّا غفُورً﴾ ونحن عبيده التائهون في ظلمات الدنيا لسنا بغنى عن عفوه ومغفرته الواسعة، يقول أمير المؤمنين عليه السلام – في كتابه للأشتر لما ولّاه مصر -: “ولا تنصبنّ نفسك لحرب الله، فإنّه لا يدلّك بنقمته، ولا غنى بك عن عفوه ورحمته”أذن علينا أن تتّصف بصفات الله جلّ جلاله وبأخلاق بيت النبوّة عليه السلام، فهو الجميل بعينه، والله تبارك وتعالى قد حثّنا على أن نكون من أهل الصفح الجميل عمّن ظلمنا وأساء إلينا، قال سبحانه: ﴿وما خلقْنا السّماواتِ والأرْض وما بيْنهُما إِلاّ بِالْحقِّ وإِنّ السّاعة لآتِيةٌ فاصْفحِ الصّفْح الْجمِيل﴾يقول الإمام زين العابدين عليه السلام – في قوله تعالى: ﴿فاصْفحِ…﴾-: “العفو من غير عتاب”، وورد عن الإمام الصادق عليه السلام: “إنّا أهل بيت مروّتنا العفو عمّن ظلمنا”. تُعدّ صفة العفو والصفح الجميل من أجمل مكارم الأخلاق الّتي يتخلّق بها المؤمن في الدنيا والآخرة، بل هي تاج المكارم كما يُعبِّر الإمام عليّ عليه السلام: “العفو تاج المكارم” ، وعن الإمام الصادق عليه السلام يقول: “ثلاث من مكارم الدنيا والآخرة: تعفو عمّن ظلمك، وتصل من قطعك، وتحلُم إذا جُهِل عليك”.أن نكون من أهل العفو يعني أنّنا قد اتّصفنا بصفة أحبّها الله تعالى كما يقول رسول الرحمة صلى الله عليه وآله وسلم: “إنّ الله عفوّ يُحبُّ العفو” إضافة إلى أنّنا سنكون من المحسنين الّذين أيضاً أحبّهم الله تعالى: ﴿الّذِين يُنفِقُون فِي السّرّاء والضّرّاء والْكاظِمِين الْغيْظ والْعافِين عنِ النّاسِ واللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِين﴾ ، نعم، هناك أناس لا ينبغي أن نعفو عنهم، وهم الّذين يزيدهم العفو سوءاً وتكبّراً. وقد أشارت روايات أهل البيت عليه السلام إلى نماذج من هؤلاء، فعن الإمام عليّ عليه السلام قال: “العفو يُفسد من اللئيم بقدر إصلاحه من الكريم” .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى