مقبّلات من الأشلاء والدمّ على طاولة المفاوضات.. يا له من قرف!

بقلم: د. لينا الطبال..
كانوا في حكومة فيشي يتقنون فنا واحدا: التفاوض..
كانوا يتفاوضون والدبابات الألمانية تمرّ خلفهم ومن أمامهم، وتعبر جادة الشانزليزيه بثقة المنتصر…
كانوا يجلسون حول الطاولة، يعقدون جيدا ربطات أعناقهم، يرشون عطرا باريسيا خفيفا ويوقعون على الأوراق… الورقة تلو الأخرى، ثم يرفعون أعينهم بخفة ويرمشون للاحتلال في غنج سياسي.
في الضفة الأخرى، كانت هناك تلك “اللعنة” التي أطلقوا عليها حينها إرهاب أو عصابات… هي نفسها التي ستُسمّى لاحقا مقاومة… كانت المقاومة الفرنسية، التي لم تتم دعوتها الى أي عشاء، وطبعا الى أي مفاوضات هي التي تدفع الدم، ويجري تهجيرها، وإعدامها في الساحات، ومحاكمتها، وكانت توصم بأبشع الأسماء.
وهكذا فأنه في زمن بعيد او ربما في صباح هذا اليوم، لا فرق، فالزمن مجرد وهم.. قررت حكومة فيشي أن أفضل طريقة لإنقاذ فرنسا هي الارتماء في أحضان عدو الوطن. يا لها من تضحية… ويا له من قرف!
اليوم، وفي نسخة لبنانية أكثر صفاقة او أكثر سريالية، لست أدري، يقولون لنا “الدولة هي فقط من ستفاوض”… حقاَ؟ يا للدهشة! هل هناك دولة حقاَ؟ لدينا اذاَ دولة مكتملة السيادة، متماسكة القرار وتعرف ما تريد؟
توصيف جميل، لبق، ودستوري جدا… لكنه، كما كل شيء لديكم، يبقى توصيفا منقوصا… ينقصه تفصيل صغير وربما تافه، وغير مرئي: ينقصه الواقع.
في هذا البلد العجيب، سيتم عقد مفاوضات مع العدو تحت النار.. أنا هنا لا أستعمل المجاز، أنا فقط أصف الجحيم كما هو: سيأتي بنيامين نتنياهو، بوجه يشبه دائما خطة عسكرية، ليعلن بدء “محادثات سلام” مع لبنان.
سلام، يكتبه بشروطه وحده، ويديره بنيرانه وحده، ويُسوّق له الغرب كعادته، يطلب منا أن نصدق هذه المرة أنه جاد، وأن ننسى كل المرات السابقة التي كان فيها جادًا أيضا.
وأنتم؟ طبعا أنتم ستقبلون.. ستبتلعون هذه الإهانة بابتسامة، لأنكم ببساطة، وهنا تكمن المأساة، أتقنتم فن قبول كل شيء، حتى فناءكم.
نتنياهو يفصل الخرائط والحروب، يضع إيران هنا، لبنان هناك، غزة في زاوية ثالثة، ويُقنع العالم أن هذه جبهات منفصلة.. لكن الحقيقة التي يعرفها حتى الأطفال في هذا الشرق المنكوب بكم:
كل حرب في هذا الشرق.. هي حرب واحدة، وأن ما يجري هو تقطيع دموي لتسهيل إبادته.
وفوق كل هذه الوليمة الصهيونية من الأشلاء المبعثرة والدم، يبرز المشهد الأكثر إثارة للغثيان: هنا في لبنان من لا يزال مبهورا بنتنياهو.. يراقب نصل السكين بإعجاب ويبحث للسفاح عن أسباب…
يبررون له فتكه كما لو أنهم يباركون موتنا.. ويتحدثون عن ضمانات من رجل تلاحقه مذكرة اعتقال دولية كأي طريد فار من وجه العدالة، يا لَلمفارقة السريالية!
كيف لبلد يئنّ تحت جراحه، وجثامين أبنائه مازالت تحت الأنقاض وفي ثلاجات المستشفيات أن يثق بوعود مجرم حرب مطارد؟
أنا، لا أسمّي هذا سذاجة سياسية بقدر ما هو نوع من المازوخية الوطنية التي تتلذذ بالانتحار على يد عدوها.
عذرا.. في خضمِّ كل هذا نسيت الإجابة عن سؤالك: من يملك حق التفاوض؟
هل هو من يوقع على الاتفاقيات؟ او من يُهجَّر؟
هل هو من يتحدث؟ او من يستشهد؟
القاعدة التي لا تريدون قراءتها والمنصوص عليها بالدم في كل الحروب، تنص بوضوح لا يحتمل التأويل:
من يقاوم.. هو فقط من يفاوض.
من يُقتل مرة أولى وثانية وثالثة هو من يفاوض.
ليس لأن ذلك رومانسي.. لا يوجد أي رومنسية في الحروب. لكن المقاوم هو الوحيد يملك شيء ولا يساوم عليه: الكرامة.
المقاومة هي الابنة الشرعية لهذا التراب، ولدت من رحم الجنوب المصلوب وشموخ الشمال، وانبثقت من فسيفساء طوائفه قاطبةَ.. هي حكاية البيوت التي دمرها الاحتلال، وهي صدى زغاريد الأمهات اللاتي زففن فلذات أكبادهن إلى الجبهات. هذه المقاومة لا تقبض ثمن تضحياتها من أحد، ولا تعمل في حسابات أي عاصمة.. إنها تعمل لحساب واحد، وحيد، ومقدس: وطن اسمه لبنان.
أما إيران، التي يكثر الحديث عنها، فهي شئنا أم أبينا، الدولة الوحيدة التي قررت أن تدافع عن القدس.. يمكن أن نختلف معها في كل شيء، إلا في هذه النقطة:
أنها لم تفاوض على القدس.. بينما الآخرون تفاوضوا حتى على أسمائها.
ها نحن نعود مجددا إلى حكومة فيشي:
هناك دائما من يتفاوض.. وهناك دائما من يقاوم.
الأول، المهووس بالبقاء، ينحني فوق الطاولات ليوقع الاتفاقيات.. ويبصم على كل شيء مقابل وعود بنجاة قد تشبه الموت.
أما الثاني، فهو من يدفع فاتورة أفعال الصنف الأول..
لكنه ويا للسخرية الجميلة يبقى الوحيد الذي يكتب التأريخ.



