اراء

أربعينية الغياب: الرمزية الدينية في قلب الصراع الإقليمي..!

بقلم/ طه حسن الأركوازي ..

تحمل المُناسبات الدينية التذكارية أبعاداً تتجاوز الحزن المُجرد ، لتغدو فضاءً لإعادة إنتاج المعنى السياسي والرمزي للحدث ، وفي ذكرى أربعينية السيد الشهيد “علي الخامنئي” (قدس) تتقاطع الدلالات الروحية مع سياقات إقليمية مُعقدة ، حيث لا يُمكن فصل هذه المُناسبة عن المشهد الأوسع الذي تعيشه المنطقة في ظل الحرب والتصعيد المُتبادل بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى .

في هذا الإطار ، تبدو أربعينية شخصية محورية ذات حضور ديني وسياسي بارز مُناسبةً لإعادة قراءة مسار كامل من التوازنات لا مُجرد محطة عاطفية عابرة ، فالتجمعات التي شهدتها مُدن عدة ، ومنها بغداد تعكُس حالة تفاعل شعبي مع رمز لطالما أرتبط لدى شريحة واسعة بمشروع “سياسي-عقائدي” يتجاوز الحدود الجغرافية التقليدية ، ويتصل بما يُعرف في أدبيات السياسة الإقليمية بمحور المقاومة .
غير أن هذه التفاعلات ، على أهميتها لا يُمكن قراءتها بمعزل عن طبيعة الصراع الراهن ، فالحرب التي أندلعت وما رافقها من أستهدافات عسكرية مُباشرة وغير مُباشرة داخل العُمق الإيراني ، تشير إلى أنتقال الصراع من مرحلة “الردع غير المُباشر” إلى مستويات أكثر أنكشافاً وتشير تقديرات صادرة عن مراكز دراسات دولية معنية بتحليل النزاعات إلى أن هذا التحول يعكس تراجعاً نسبياً في فاعلية قواعد الاشتباك التقليدية ، ويفتح المجال أمام سيناريوهات أكثر تعقيداً ، قد تشمل توسيع نطاق المواجهة أو إعادة رسم خرائط النفوذ في المنطقة .

ضمن هذا السياق ، تُعاد صياغة الرمزية الدينية وتوظيفها بما يتجاوز حدود التعبئة الآنية ، لتغدو أداةً لإعادة ترسيخ السردية السياسية وإعادة إنتاج المعنى في الوعي الجمعي ، فمفهوم “الشهادة” في الفكر الإسلامي ، ولا سيما في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) لا يقتصر على بُعده الفردي ، بل يتسع ليشكّل إطاراً تفسيرياً جامعاً يمنح الجماعة قُدرة على فهم الأزمات وتحمّل تبعاتها ، بل وإعادة تعريفها بوصفها جُزءاً من مسار تاريخي ذي دلالة .

وفي هذا الإطار ، يُستحضر القول المنسوب للإمام زين العابدين (عليه السلام) في مواجهته ليزيد : «أبالقتل تُهددني يا ابن الطلقاء؟
أما علمت أن القتل لنا عادة ، وكرامتنا من الله الشهادة» ، لا بوصفه مُجرد أقتباس تُراثي أو أستدعاء عاطفي ، بل كخطاب رمزي مُتجدد يعكس بُنية ذهنية راسخة في الثقافة السياسية المرتبطة بهذا التراث ، فهذه العبارة في سياقها التاريخي ، لم تكُن رداً آنياً فحسب ، بل تعبيراً عن موقف مبدئي يتجاوز لحظة التهديد إلى إعادة تعريف مفاهيم القوة والضعف ، والخوف والثبات .
وعليه ، فإن توظيف هذا الخطاب في السياق المُعاصر يندرج ضمن مُحاولة واعية لتعزيز منسوب الصمود ، وإضفاء بُعد وجودي على الصراع ، حيث تتحول الشهادة من حدث فردي إلى رمز جامع يسهُم في إعادة تشكيل الإدراك الجمعي ، ويمنح الفعل السياسي بُعداً أخلاقياً وتاريخياً يتجاوز حسابات اللحظة الراهنة .

في المقابل ، تطرح هذه المقاربة تساؤلات جوهرية حول حدود التداخل بين الديني والسياسي ، فبينما ترى بعض الأطراف في هذا الدمج مصدراً للقوة والاستمرارية ، لكن تحليلات أخرى تُحذر من أنه قد يؤدي إلى تعقيد فرص التسوية ، عبر رفع سقف الخطاب وتحويل النزاع إلى صراع هوياتي يصعب أحتواؤه ضمن الأطر الدبلوماسية التقليدية .

أما على المستوى الميداني ، فتشير التطورات الأخيرة إلى حالة من “التوازن القلق” ، فعلى الرغم من الضربات التي تعرضت لها إيران ، لكنها لا تزال قُدرتها على أمتصاص الصدمة ، وإعادة ترتيب أوراقها قائمة ، سواء عبر أدواتها التقليدية أو من خلال حُلفائها في المنطقة .
في المقابل ، تسعى الولايات المتحدة وإسرائيل إلى تثبيت مُعادلة ردع جديدة تقوم على تقليص هامش الحركة الإيرانية ، دون الانزلاق إلى حرب شاملة قد تكون كُلفتها باهظة على جميع الأطراف .
ومع ذلك ، يبقى العامل الحاسم هو كيفية ترجمة هذه الرمزية إلى سياسات واقعية ، فالتاريخ يُظهر أن الحروب لا تُحسم بالشعارات أو الزخم الشعبي وحده ، بل بقُدرة الأطراف على إدارة الصراع بعقلانية ، وفتح قنوات للتفاوض حين تقتضي الضرورة ، وهنا تبرز أهمية الدور الذي يُمكن أن تؤديه “باكستان” في أحتواء التصعيد ، خاصة في ظل المؤشرات المُتزايدة على أن أستمرار الحرب سيقود إلى تداعيات أقتصادية وأمنية تتجاوز حدود المنطقة .
ختاماً .. تُمثل أربعينية السيد الشهيد “علي الخامنئي” ( قدس) لحظة مُركبة تتداخل فيها الذاكرة الدينية مع الحسابات السياسية ، ويتقاطع فيها المحلي بالإقليمي ، وبينما تعكس هذه المناسبة عُمق الارتباط الرمزي لدى الأحرار في العالم ، فإنها تفتح في الوقت ذاته باباً واسعاً للتساؤل حول مُستقبل الصراع ، وإمكانية الانتقال من منطق المُواجهة المفتوحة إلى مسارات أكثر أستقراراً ، وبين هذا وذاك تبقى المنطقة مُعلقة على توازنات دقيقة ، حيث يمكن لأي حدث مهما بدا رمزياً أن يحمل في طياته دلالات تتجاوز ظاهره ، وتؤثر في مسار الأحداث القادمة …!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى