التشكيك السلبي وأثره في زعزعة العقيدة والوعي

صباح الصافي..
في زمنٍ تتكاثر فيه الأسئلة، وتتزاحم فيه الخطابات، لم يعد الخطر الأكبر متمثِّلًا في الجهل البسيط؛ بل في التَّشكيك الذي يُقدَّم في صورة تساؤل، ويُسوَّق تحت شعار التَّفكير الحر، بينما يحمل في جوهره تقويضًا بطيئًا لليقين، وزعزعةً مدروسة لثوابت العقل والعقيدة. وقد نبَّه القرآن الكريم إلى هذا المسلك، فقال الله (تعالى): (بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ) مشيرًا إلى أنَّ التَّكذيب كثيرًا ما يكون ثمرة استعجالٍ معرفي، أو موقفٍ نفسيٍّ سابق على الفهم.
إنَّ التَّشكيك السَّلبي عِلَّة تصيب مركز الوعي، فتربك منظومة الإدراك، وتشوِّه آليات الحكم، حتَّى يفقد الإنسان قدرته على التَّمييز الهادئ بين الحقِّ والباطل. ومن هنا تنبع خطورته؛ إذ لا يهاجم القناعات مواجهةً؛ وإنَّما ينفذ إليها من بوَّابة التَّردُّد والارتياب، ويقيِّدها من الدَّاخل. وانطلاقًا من هذه الإشكاليَّة، سيُسلط الضَّوء على ظاهرة التَّشكيك، عن طريق تحليل مفهوم الشَّك وأقسامه، وتشخيص سمات الشَّخصيَّة المشكِّكة، ثمَّ تقديم منهجٍ واعٍ في كيفيَّة التَّعامل معها، بما يحفظ للعقل توازنه، ولليقين مكانته، وللحوار حدوده المنهجيَّة.
تعريف الشَّك لغةً واصطلاحًا
“الشِّين والكاف أصل واحدٌ مشتقٌّ بعضُه من بعض، وهو يدلُّ على التَّداخُل. من ذلك قولهم شكَكْتُه بالرُّمح، وذلك إذا طعنتَه فداخَل السنانُ جسمَه. قال:
فشككتُ بالرُّمح الأصَمِّ ثيابَه * ليسَ الكريمُ على القنا بمُحرَّمِ
ويكون هذا من النَّظْم بين الشَّيئين إذا شُكّا.
ومن هذا الباب الشَّكُّ، الذي هو خلافُ اليقين، إنَّما سمِّي بذلك؛ لأنَّ الشَّاكَّ كأنَّه شُكَّ له الأمرانِ في مَشَكٍّ واحد، وهو لا يتيقن واحدًا منهما، فمن ذلك اشتقاق الشَّك. تقول: شككت بين ورقتينِ، إِذا أنت غرَزْت العُود فيهما فجمعتَهما.
ومن الباب الشِّكَّةُ، وهو ما يلبسه الإِنسان من السِّلاح، يقال: هو شاكٌّ في السِّلاح. وإنَّما سمِّي السّلاحُ شِكَّة؛ لأنَّه يُشَكُّ به، أوْ لأنَّه كأنَّه شُكَّ بعضُهُ في بعض”.
أمَّا الشَّك اصطلاحًا: “اعتدال النَّقيضينِ عند الانسان وتساويهما؛ وذلك قد يكون لوجود أمارتينِ متساويتينِ عند النَّقيضينِ أو لعدم الأمارة فيهما، والشَّك ربما كان في الشَّيء هل هو موجود أو غير موجود؟
وربما كان في جنسه، من أيِّ جنس هو؟
وربما كان في بعض صفاته، وربما كان في الغرض الذي لأجله أوجد.
والشَّك ضرب من الجهل وهو أخصُّ منه؛ لأنَّ الجهل قد يكون عدم العلم بالنَّقيضين رأسًا، فكلُّ شكٍّ جهل، وليس كلُّ جهل شكَّا…”.
ويُستفاد من التَّعريفينِ اللُغوي والاصطلاحي أنَّ الشَّك مفهومٌ منضبط له جذور دلاليَّة ومعرفيَّة واضحة. فالدلالة اللغويَّة التي تُرجع الشَّك إلى معنى التَّداخل والاشتباه تعبِّر بدقَّة عن حقيقته الذِّهنيَّة؛ حيث تتداخل الاحتمالات في العقل من دون أن يتمكَّن من الفصل بينها. وهذا المعنى اللغوي ينسجم انسجامًا تامًّا مع التَّعريف الاصطلاحي الذي يجعل الشَّك حالةً من تساوي النَّقيضينِ، وعدم ترجيح أحدهما على الآخر.
كما يظهر من التَّعريف الاصطلاحي أنَّ الشَّك يُعدُّ مرتبةً خاصَّة من مراتب الجهل، ولا يتمثَّل في غياب المعرفة كليًّا؛ وإنَّما في حضور معرفتينِ متعارضتينِ على نحوٍ متكافئ، الأمر الذي يفسَّر كونه أكثر تعقيدًا من الجهل البسيط. ويكشف هذا التَّحديد عن البعد المعرفي للشَّك، بوصفه ظاهرةً عقليَّة تتعلَّق بكيفيَّة إدراك الإنسان للأدلة والأمارات، لا بمجرَّد ضعف الفهم أو قصوره.
وعلى الرَّغم من تعدُّد التَّعاريف العلميَّة لمفهوم الشَّك بتعدُّد الحقول المعرفيَّة التي تناولته، فإنَّ القاسم المشترك بينها يتمثَّل في كونه حالة ذهنيَّة قائمة على التَّردُّد المتكافئ بين طرفينِ متقابلينِ، وهو ما يُضفي على المفهوم قدرًا من الدِّقة، ويمهِّد لدراسة آثاره المعرفيَّة والفكريَّة في المجالات العَقديَّة والمنطقيَّة والأصوليَّة.



