اخر الأخبار

الإختبار الإلهي للعباد بين الثواب والعقاب

1589

يقول الله سبحانه تعالى في محكم كتابه:﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَق السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ عندما خلق الله تعالى الإنسان، قضت المشيئة الإلهيّة أن تكون له حياتان، حياة الدنيا، وحياة الآخرة. ففيما يتعلّق بالحياة الآخرة، شاء الله سبحانه وتعالى أن تكون هي الحياة الحقيقية، ولذلك أعطاها صفة الخلود، فهي حياة أبدية، لا موت فيها ولا زوال.ولأنّها الحياة الحقيقيّة، السرمديّة والواقعيّة، فإنّ كلّ الحقائق ستظهر فيها ، ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ ﴿لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ جعل الله سبحانه وتعالى العنوان الرئيس للحياة الآخرة “دار الجزاء” بمعنى أنّ كلّ إنسان بدون أيّ استثناء سيلاقي جزاءَ عمله في الحياة الآخرة، يقول تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوَءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَاللّهُ رَؤُوفُ بِالْعِبَادِ﴾ وكلّ ما ذكر في أحداث ما بعد الموت إلى القيامة، هو مقدّمة لحصول الجزاء الأخروي: سؤال منكر ونكير, النفخ في الصور، الحشر، وكتب الأعمال الّتي تُعطى للناس:﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيهْ﴾ ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيهْ﴾الميزان:﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ الشفاعة: ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾. كلّ هذه الأحداث والأسماء هي في الحقيقة مقدّمة للجزاء (أي للثواب والعقاب).ويستقرّ المشهد بعد انتهاء الحساب وسلوك الناس الصراط، فريق في الجنّة وفريق في السعير.دار الفناء وهي الدنيا والحياة الأولى الّتي تسبق حياة الآخرة، ولكنّها حياة قصيرة ومحدودة مقارنة بها وسُمّيت بالعاجلة في مقابل الآخرة (الآجلة). وقد وجدت لأجل محدّد لسبب دورها الّذي يقترن بالإعداد والتجهّز لعالم الآخرة. وعندما ينتهي أجل المرء فيها تبدأ أحداث الآخرة.إذاً هذا النظام الكوني يتّجه إلى نهاية، لأنّ لعالم الآخرة كوناً مختلفاً ونظاماً جديداً، ومعايير أخرى. أراد الله سبحانه وتعالى أن تكون الدنيا دار العمل كما أنّ الآخرة دار الجزاء، ومع ذلك لا يعني هذا أنّه لا يوجد جزاء دنيويّ، ولكن حتّى الجزاء الدنيوي هو زائل فانٍ، وليس بشيء أمام الجزاء الحقيقي في الآخرة.والله سبحانه وتعالى أقام علاقات بين العمل وبين الجزاء، في الدنيا وفي الآخرة. الجزاء هو نتيجة عمل الإنسان وذلك حتّى يحصل الإنسان على جنّته، وعلى نعيمه وكرامته.ولكنَّ ذلك يحتاج إلى جهاد، وعمل، وصبر، وتضحيات. هذه مشيئة الله سبحانه وتعالى، وهذه ميزة الإنسان الّذي أراد الله تعالى له أن يحصل على مقام الخلافة، والأمانة، والكرامة، والقرب من الله عزّ و جلّ الدنيا هي دار العمل، دار الاختبار، هي دار الامتحان، أو هي دار البلاء والابتلاء، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا﴾ لماذا؟ يقول الله:﴿لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ ويقول تعالى: ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾ بمعنى أنّ كلّ هذه الأرض فانية. وهنا الله تعالى يبلونا ليرى أيّنا أحسن عملاً، لأنّه فيما بعد هناك جزاء وحساب، لنكون أهلاً للثواب بجدارة، أو مستحقّين للعقاب وليس لنا حجّة على الله عندما يُعاقبنا بذنوبنا أو بسوء أعمالنا..فالنعم والنقم وجهان للبلاء، وعلى الإنسان أن يعرف كيف يشكر النعم، وكيف يصبر على النقم. بل عليه أن يكون فطناً لحاله عارفاً لمآله متأمّلا في علاقته مع ربّه، حذراً عند النعم شكوراً عند المصائب، فقد جاء عن الإمام عليّ عليه السلام: “إذا رأيت ربّك يوالي عليك البلاء فاشكره، وإذا رأيته يتابع عليك النعم فاحذره” من أعظم الاختبارات الإلهيّة الّتي مرّت على المسلمين والأمة والبشرية كان الاختبار في الأيّام الأولى من سنة 61 للهجرة مع الإمام الحسين عليه السلام.لقد كانت الأمّة أمام واقعين، الأوّل يتمثّل في مقام خلافة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الّتي يريد أن يتسلّم قيادتها شخص كيزيد بن معاوية مع ما يتّصف به هذا الإنسان من سلوك وصفات سيّئة. وهذا بحدّ ذاته اختبار عظيم وهائل للأمّة.الواقع الآخر الّذي كان أيضاً مورد اختبار وامتحان للأمّة وهو الأكثر أهميّة أنّ الإمام الحسين عليه السلام ، الّذي هو سيّد شباب أهل الجنّة ليس في الأرض غيره ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، قام ليواجه هذا التهديد وهذا الخطر على الإسلام والأمّة والخلافة. ماذا يفعل المسلمون في هكذا موقف؟ كان هذا الامتحان من أصعب ما مرّ في تاريخ المسلمين، كان نوعاً من الامتحانات الحاسمة لكلّ فرد من أفراد المسلمين. تحليل هذه الوقائع وقراءتها مهمّ جدّاً. اكتشاف نقاط الضعف والقوّة.. لماذا من وقف مع الإمام الحسين عليه السلام وقف معه؟ ولماذا الّذي خرج عليه خرج ليقتله عليه السلام ؟ ولماذا هناك من وقف على الحياد؟ هذا كلّه وبالإحاطة به له قيمة ليس فقط معلوماتية ومعرفية، لكن قيمته أيضاً تتّصل بقيمة حياتنا، لأنّنا نواجه نفس الاختبارات، ونفس الابتلاءات والامتحانات ولكن، عندما نقرأ تلك التجربة، نستفيد من نقاط ضعفها وقوّتها أين كان الخطأ وأين ضاعت الفرص؟…وذلك.. حتّى لا نُكرّر أخطاء الماضي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى