اراء

الحرب ضد إيران.. ماذا تعلّم الكرد من التأريخ؟

بقلم: حسني محلي..

خلال لقائه بهم يوم 17 كانون الثاني، هدد توم برّاك مظلوم عبدي بحضور مسعود البارزاني، وقال له: “إذا لم تضع ميليشياتك في خدمة المخططات والمشاريع الصهيو-أمريكية ضد العراق وإيران، فإننا سنتخلى عن دعمكم”.

وعندما رفض عبدي هذا التهديد، أعطى برّاك الضوء الأخضر لما يسمى بالجيش السوري للتوغل شرق الفرات وطرد قوات مظلوم عبدي التي اضطرت إلى الانسحاب من مناطق واسعة كانت تسيطر عليها، ومنها دير الزور والرقة وكان في جوارها العديد من معتقلات “داعش”.

ودفع ذلك واشنطن إلى نقل معتقلي “داعش” الذين كانوا في هذه المعتقلات (وهرب البعض منهم) وعددهم نحو عشرة آلاف إلى الداخل العراقي، ومع استمرار التهديدات الأمريكية بواسطة مسعود البارزاني الذي كان على تواصل هاتفي دائم مع الجولاني، عاد ووقّع مظلوم عبدي على اتفاق 28 كانون الثاني ليحل محل اتفاق 10 آذار واكتفى من خلاله بالحسكة والقامشلي وجوارها مع استمرار الضغوط الأمريكية عليه.

ومع التذكير بدور المخابرات الأمريكية والصهيونية في توحيد الفصائل الكردية الإيرانية الخمسة ووجود مقارها في المناطق الكردية العراقية، تحدثت المعلومات عن اتصال هاتفي أجراه الرئيس ترامب مع مسعود البارزاني وبافل الطالباني وأكد لهما ضرورة العمل المشترك ضد إيران.

ودفعت هذه المعطيات الكثيرين إلى المراهنة على احتمالات الرد الكردي العراقي أولاً ثم السوري والتركي على مطالب بل تعليمات وأوامر واشنطن ومن خلفها “تل أبيب”، التي تعقد آمالاً كبيرة على الدور الكردي في الحسابات العسكرية الأمريكية – الإسرائيلية البرية ضد إيران، إذ إنها تملك ما لا يقل عن 200 ألف من البيشمركة المسلحة تسليحاّ أمريكياً وإسرائيلياً.

وفي حديثه لقناة “رووداو” الكردية العراقية، قال السفير الأمريكي الأسبق في بغداد زلماي خليل زاد، وهو من مهندسي الاحتلال الأمريكي للعراق وأفغانستان: “إذا كانت أمريكا لا ترغب في إرسال قوات برية كبيرة إلى إيران، فإن الاعتماد على القوات المحلية مثل الكرد، من خلال دعمهم جوياً، سيكون خياراً قوياً، وإن ذلك سيكون فرصة تأريخيّة بالنسبة إلى الإيرانيين والكرد للوصول إلى التغيير الذي ينشدونه، ولأن هذه الفرصة لن تتكرر في المستقبل القريب، ويتعين عليهم التعامل مع هذه اللحظة بخطط مدروسة وحذر بالغ لأن هناك مخاطر جمة”.

وأثبت التأريخ برمّته منذ اتفاق سيفر 1920 أن من خان الكرد وطعنهم دائماً هو الغرب الإمبريالي، وقبل أن يعانوا من حكام الدول التي يعيشون فيها، والذين كانوا في معظم الأوقات بعلم أو من دونه في خدمة أجندات الدول والقوى الإمبريالية والصهيونية.

ومع أن الرأي السائد في أربيل والسليمانية هو احتمالات التعاون الكردي مع واشنطن و”تل أبيب” بعد حصول القادة الكرد على ضمانات مطلقة بإسقاط النظام في طهران مقابل تعهدات واضحة ومكتوبة بإقامة الدولة الكردية التأريخية، لم تتأخر طهران وأنقرة في التواصل مع القيادات الكردية التي اتصل بها هاكان فيدان وعباس عراقتشي وحذرا هذه القيادات من مغبة أي تورط كردي في أي مخطط أمريكي – صهيوني، وأن مثل هذا التورط سيجر المنطقة برمتها إلى حرب قومية طاحنة تدمر الجميع، إذ سيكون هدفها التالي بعد العراق وإيران هو تركيا، وفق تصريحات العديد من المسؤولين الصهاينة، وكان آخرهم رئيس الوزراء السابق بنيت.

وبالتذكير بالخلافات التقليدية بين كل الأطراف الكردية العراقية، وبشكل خاص عائلتي البارزاني والطالباني، بل وحتى بين كل الأطراف الكردية الإيرانية والسورية، يبدو واضحاً أن تلبية المطالب الأمريكية والإسرائيلية لن يكن سهلاً على الكرد عموماً، مع استمرار الأزمات الاقتصادية والاجتماعية الصعبة التي يعيشها الكرد عموماً بسبب أحاديث الفساد الخطيرة في أربيل والسليمانية مع استمرار الخلافات بين أربيل وبغداد التي تتأخر في إرسال مستحقات الكيان الكردي الفدرالي الذي لا يدفع المعاشات منذ أكثر من عام.

وفي نهاية المطاف، يبقى الرهان على ذاكرة الشعب الكردي، خاصة بعد الطعنة التي تلقوها في سوريا من الأمريكيين الذين رجحوا عليهم النصرة “السُنية” الإرهابية التي تجاهلت احتلال الجنوب السوري. ويسعى الأمريكيون الآن لجرّ الكرد عموماً إلى مغامرة أخطر، وهذه المرة ضد إيران “الشيعية” التي لولاها عام 2014 كان “داعش” دخل أربيل التي تريد واشنطن لها ولكل الكرد أن يكونوا جنباً إلى جنب مع بقايا “داعش” الذين أوصلهم ترامب إلى السلطة في دمشق (والقول له) ليكونوا في خدمته وخدمة المجرم نتنياهو الذي تصول وتجول قواته في الجنوب السوري وتقتل الشعب اللبناني.

وبعد أن نسي الكرد أنهم أحفاد صلاح الدين، وغطس الكثير من أشقائهم العرب في مستنقعات التواطؤ والعمالة التي تفتح شهية الآخرين في المنطقة التي بات واضحاً أنها وبكل طوائفها تحتاج إلى وقفة إنسانية، وقبل أن تكون قومية أو طائفية تمنع الانهيار التام وتحقق الإخاء الصادق والمطلق بين العرب والفرس والترك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى