اخر الأخبار

سيماء التائبين في دعاء الإمام زين العابدين عليه السلام

1507

وكان من دعاء الإمام زين العابدين عليه السلام :فَمَثلَ بَيْنَ يَدَيْـكَ مُتَضَرعـاً، وَغَمضَ بَصَرَهُ إلَى الأرْضِ مُتَخَشعَاً،وَطَأطَأَ رَأسَهُ لِعِزتِكَ مُتَذَللاً، وَأَبَثكَ مِنْ سِرهِ مَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنْهُ خَضُوعاً، وَعَددَ مِنْ ذُنُوبِهِ مَا أَنْتَ أَحْصَى لَهَا خُشُوعاً وَاسْتَغَاثَ بِكَ مِنْ عَظِيمِ مَا وَقَعَ بِهِ فِي عِلْمِكَ وَقَبِيحِ مَا فَضَحَهُ فِي حُكْمك مِنْ ذُنُوب أدْبَرَتْ لَذاتُهَا فَذَهَبَتْ، وَأَقَامَتْ تَبِعَاتُهَا فَلَزِمَتْ.عندما نسير في الحياة ونعاشر الناس فإننا لا يمكن أن نعاشرهم بدون مراعاة لأخلاقيات المخالطة, والآداب التي يراعيها الناس فيما بينهم, إذ لا بد من ضوابط وأصول لكي لا يصبح أفراد المجتمعات الإنسانية ذئاباً ينهش بعضها بعضاً, ومن ذلك آداب الاعتذار.فحينما يخطىء الواحد منا ويلجأ للاعتذار من الآخر، لا بد أن يراعي في ذلك آداباً خاصة, وكمثال على ذلك تخيل لو أن رجلاً قد أخطأ بحقك, وجاء إليك ليعتذر وقد رفع رأسه ونظر إليك من طرفي عينيه, وقد شمخ بأنفه, وأظهر لك عدم المبالاة، وقال لك من طرف لسانه: آسف، ومشى.إن أي واحد منا لو حصل هذا معه، سيُعدّ هذا النوع من الاعتذار إهانة جديدة, ولن يقبل هذا النوع من التصرف المشين.وكذا الحال بين الإنسان وربه، فإن للتوبة أصولاً وآداباً، ينبغي مراعاتها لكي تكون التوبة بالشكل الذي يرضي الله تعالى, ولا يزيد من سخطه علينا، فما هذه الآداب؟إن التوبة هي فعل يتضمن الدعاء إلى الله تعالى؛ لغفران الذنب والصفح عما سلف, ولذا ينبغي مراعاة أدب الدعاء عند طلب التوبة من الله تعالى, ومن هذه الآداب إقبال القلب:بمعنى أن يكون التوجه لله تعالى بكل الفكر والقلب, لا أن يكون الترديد باللسان والشفتين لكلمات والقلب في غفلة عما يقول, ففي الرواية عن كميل بن زياد أنه قال لأمير المؤمنين عليه السلام : ” العبد يصيب الذنب فيستغفر الله، فقال عليه السلام : يابن زياد، التوبة، قلت: ليس؟ قال عليه السلام : لا، قلت: كيف؟ قال عليه السلام : إن العبد إذا أصاب ذنباً قال: أستغفر الله بالتحريك، قلت: وما التحريك؟ قال عليه السلام : الشفتان واللسان يريد أن يتبع ذلك بالحقيقة، قلت: وما الحقيقة؟ قال عليه السلام : تصديق القلب وإضمار أن لا تعود إلى الذنب الذي استغفرت منه…” .وعن أبي عبد الله الصادق عليه السلام قال: ” قال أمير المؤمنين عليه السلام : لا يقبل الله عز و جل دعاء قلب لاه ” الاستيقان بالإجابة:بأن تكون على يقين بأن الله تعالى قد وعد العباد بقبولهم في حال توبتهم وندمهم, فلا يدخل اليأس إلى قلبك، فبدل أن تحصل على التوبة تكون قد ارتكبت إحدى الكبائر وهي اليأس من روح الله تعالى, وقد جاء في الرواية عن الإمام الصادق عليه السلام : ” إن الله عز و جل لا يستجيب دعاء بظهر قلب ساهٍ، فإذا دعوت فأقبل بقلبك ثم استيقن بالإجابة” وعنه عليه السلام أنه قال: ” إذا دعوت فأقبل بقلبك وظُن حاجتك بالباب” .. البكاء:كما دعت لذلك الروايات الشريفة, فإن البكاء أجلى مظاهر الندم الحقيقي, وفي الرواية عن الإمام الصادق عليه السلام قال: ” ما من عين إلا وهي باكية يوم القيامة، إلا عيناً بكت من خوف الله، وما اغرورقت عين بمائها من خشية الله عز و جل, إلا حرم الله عز و جل سائر جسده على النار، ولا فاضت على خده فرهق ذلك الوجه قترٌ ولا ذلةٌ, وما من شيءٍ إلا وله كيلٌ ووزنٌ إلا الدمعة، فإن الله عز و جل يطفئ باليسير منها البحار من النار، فلو أن عبداً بكى في أمةٍ لرحم الله عز و جل تلك الأمة ببكاء ذلك العبد” وفي رواية أخرى عن أبي جعفر الباقر عليه السلام قال: ” ما من قطرة أحب إلى الله عز و جل من قطرة دموع في سواد الليل مخافةً من الله لا يراد بها غيره” ..الثناء على الله:وقد تقدم في الدرس الأول سبب استهلال الإمام عليه السلام دعاء التوبة بالتمجيد, ونضيف على ما مر روايتين فعن الإمام الصادق عليه السلام : إن في كتاب أمير المؤمنين عليه السلام : ” إن المدحة قبل المسألة فإذا دعوت الله عز و جل فمجده” وعنه عليه السلام في رواية أخرى: ” إياكم إذا أراد أحدكم أن يسأل من ربه شيئاً من حوائج الدنيا والآخرة حتى يبدأ بالثناء على الله عز و جل والمدح له والصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثم يسأل الله حوائجه” وكذا الصلاة على محمد صلى الله عليه وآله وسلم وآل بيته الكرام فإنها من آداب الدعاء أيضاً كما في الرواية السابقة..الاستغفار في الأسحار:فهذا الوقت محبوب لدى الله تعالى, وبارك الله تعالى في المستغفرين فيه, وفي الرواية عن الإمام الصادق عليه السلام : ” قال أبي عليه السلام : قال أمير المؤمنين عليه السلام : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إن الله جل جلاله إذا رأى أهل قرية قد أسرفوا في المعاصي وفيه ثلاثة نفر من المؤمنين ناداهم جل جلاله: يا أهل معصيتي لولا مَن فيكم من المؤمنين المتحابين بجلالي، العامرين بصلاتهم أرضي ومساجدي والمستغفرين بالأسحار خوفاً مني لأنزلت بكم عذابي ثم لا أبالي” وعن الإمام الكاظم, عن أبيه، عن علي عليه السلام: ” إن الله عز و جل إذا أراد أن يصيبَ أهلَ الأرض بعذاب قال: لولا الذين يتحابون بجلالي ويعمرون مساجدي ويستغفرون بالأسحار لأنزلت عذابي” .يقول عليه السلام : ” فَمَثلَ بَيْنَ يَدَيْـكَ مُتَضَرعـاً، وَغَمضَ بَصَرَهُ إلَى الأرْضِ مُتَخَشعَاً، وَطَأطَأَ رَأسَهُ لِعِزتِكَ مُتَذَللاً” فهذه هي الآداب الظاهرية للتائب من إظهار الذل والعبودية والندم أمام المعبود, وقوله متضرعاً إشارة لقوله تعالى: ﴿ادْعُواْ رَبكُمْ تَضَرعًا وَخُفْيَةً إِنهُ لاَ يُحِب الْمُعْتَدِينَ﴾ , ” وذلك لما فيه من الاعتراف بذل العبودية وعزة الربوبية” وقوله عليه السلام : ” وَطَأطَأَ رَأسَهُ لِعِزتِكَ مُتَذَللاً” : والطأطأة هي خفض الرأس, والعزة هي الرفعة والامتناع والشدة والغلبة، وفي التنزيل: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزةَ فَلِلهِ الْعِزةُ جَمِيعًا﴾ ،أي: من كان يريد بعبادة غير الله العزة فإنما العزة لله وحده لا لغيره، عزة الدنيا وعزة الآخرة جميعاً، فليطلبها منه لا من غيره.وقوله عليه السلام : ” وَاسْتَغَاثَ بِكَ مِنْ عَظِيمِ مَا وَقَعَ بِهِ فِي عِلْمِكَ وَقَبِيحِ مَا فَضَحَهُ فِي حُكْمِكَ مِنْ ذُنُوب أدْبَرَتْ لَذاتُهَا فَذَهَبَتْ، وَأَقَامَتْ تَبِعَاتُهَا فَلَزِمَتْ” فساعة اللذة تنتهي, وحينها تأتي ساعات الندامة، اللذة الدنيوية التي غالباً ما تتبعها قذارة البدن, وقذارة السمعة أحياناً تنتهي بثوان أحياناً, ولكن قد تكون هذه الثواني القليلة مفتاح جهنم, حيث لا تنفع الندامة، لأن الذنب ما لم يُستغفر منه لزم، واللزوم هو الثبات والدوام, فهل نشتري اللذة الفانية بالذنب اللازم في الرقاب المانع من نزول الرحمة الإلهية؟!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى