الصين والروبوتات.. نحو ريادة عالمية وأنماط إنتاجية جديدة

بقلم: وانغ مو يي.
مع حلول رأس السنة الصينية، عاش أكثر من 1.4 مليار صيني أجواءً احتفالية بلغت ذروتها على مسرح سهرة عيد الربيع. فقد اعتلت عشرات الروبوتات المؤنسنة الخشبة لتقدم عروض “كونغ فو” تضمنت الجري والقفز والشقلبات الهوائية وحركات قتالية معقدة، في مشهد بدا وكأنه مستوحى من أفلام الخيال العلمي.
ولم يقتصر وقع هذا العرض المذهل على إبهار الجمهور أمام الشاشات، بل أثار أيضاً اهتماماً واسعاً في وسائل الإعلام الدولية. غير أن هذا المشهد لم يكن مجرد عرض بصري مبهر، بل حمل دلالات أعمق؛ إذ جسد التسارع اللافت في تطور الذكاء الاصطناعي وصناعة الروبوتات في الصين، وعكس الخطوات الواثقة التي تخطوها البلاد نحو ترسيخ مكانتها كقوة صناعية رائدة.
في السنوات الأخيرة، شهدت صناعة الروبوتات في الصين نمواً هائلاً. فبحسب بيانات الهيأة الوطنية للإحصاء، بلغ إجمالي إنتاج الروبوتات الصناعية في عام 2025 نحو 773 ألف وحدة، بزيادة سنوية تقارب 28%. كما وصل إنتاج روبوتات الخدمات -مثل روبوتات التنظيف والتوصيل- إلى نحو 18.58 مليون وحدة، بزيادة سنوية بلغت 16%.
ووفقاً لتقرير “الروبوتات العالمي 2025” الصادر عن الاتحاد الدولي للروبوتات (IFR)، تم تركيب 542 ألف روبوت على مستوى العالم في عام 2024، وكانت الصين أكبر سوق عالمية، إذ استحوذت على 54% من إجمالي التركيبات، مقابل 16% لأوروبا و9% للأمريكيتين. وخلال ثلاث سنوات فقط، تضاعف مخزون الروبوتات في الصين من مليون وحدة عام 2021 إلى ما يزيد على مليوني وحدة عام 2024.
حتى الآن، تجاوز عدد براءات الاختراع المرتبطة بالروبوتات الشبيهة بالإنسان في الصين 2000 براءة، وقد تم تسجيل 986 طلب براءة في عام 2025 وحده، وهو أعلى رقم خلال السنوات الخمس الأخيرة. كما تطور هيكل البراءات من التركيز على التصميمات الهيكلية إلى مجالات أكثر تقدماً مثل أنظمة الإدراك والتحكم التعاوني بين الإنسان والآلة.
الأهم من ذلك أن الصين تمتلك أنظمة التصنيع الأكثر تكاملاً في العالم. هذه الميزة المنهجية تتيح دمج الروبوتات بسرعة في سلاسل إنتاج السيارات العاملة بالطاقة الجديدة، وبطاريات الليثيوم، والطاقة الشمسية، وصناعات الإلكترونيات الاستهلاكية، ما يضمن تطبيقها على نطاق واسع. فالتقدم التقني في الصين لا يبقى حبيس المختبرات، بل يُختبر ويُطوّر باستمرار في بيئات صناعية حقيقية. وهذه هي الخصوصية الصينية: سوق واسعة تدفع عجلة الابتكار وتعيد تغذية التطور التكنولوجي.
إن نمو صناعة الروبوتات في الصين هو نتاج تفاعل بين التوجيه السياسي والطلب السوقي. فمنذ إطلاق مبادرة “صُنع في الصين 2025” وحتى تنفيذ خطة “الروبوتات+” طالما وُضعت الروبوتات في مكانة محورية كركيزة أساسية للصناعات التحويلية المتطورة.
أكدت الخطة الخمسية الرابعة عشرة للصين (2021–2025) المكانة المحورية للروبوتات باعتبارها صناعة استراتيجية ناشئة على المستوى الوطني، وحددت بوضوح المهام الأساسية، بما في ذلك تحقيق اختراقات في التقنيات الجوهرية، وتعزيز الأسس الصناعية، وتطوير منظومة الإمداد عالي الجودة.
وبدفع من هذا الإطار التخطيطي، شهدت صناعة الروبوتات في الصين نمواً متسارعاً خلال فترة الخطة، حيث تضاعفت إيرادات قطاع الروبوتات من 106.1 مليار يوان في عام 2020 إلى 237.89 مليار يوان في عام 2024، كما تم خلال الفترة نفسها تطوير 514 شركة متخصصة ومبتكرة ضمن فئة “العملاق الصغير” في مجال الروبوتات.
أمَّا خلال فترة الخطة الخمسية الخامسة عشرة (2026-2030)، فقد مُنحت الروبوتات دوراً استراتيجياً أرفع. فهي لم تعد مجرد أداة لتحديث التصنيع، بل أداة محورية لتحقيق الاستقلال العلمي والتكنولوجي، وبناء دولة صناعية قوية، وتنمية أنواع جديدة من القوى الإنتاجية. وقد أصبح التوجه واضحاً: الانتقال من “توسيع الحجم” إلى “الارتقاء بالجودة”، والانضمام إلى الصف الأول عالمياً في صناعة الروبوتات، لتصبح ركيزة أساسية في تشكيل قوى الإنتاج الجديدة.
اليوم، باتت الروبوتات تمكّن مختلف قطاعات الاقتصاد الصيني. فقد دخل أكثر من مليوني روبوت صناعي إلى خطوط الإنتاج، رافعة الكفاءة بمتوسط 35%. وفي الصحاري، تعمل روبوتات تنظيف الألواح الشمسية على مدار الساعة من دون استخدام المياه، ما يرفع متوسط إنتاج الكهرباء السنوي بنسبة 12%.
كما تسهم روبوتات الصيانة في زيادة مدة الرصد السنوي لتلسكوب “عين السماء الصينية” بنحو 30 يوماً… من المصانع إلى الحقول، ومن المشاريع الوطنية الكبرى إلى الخدمات اليومية، توفر الصين بيئة تطبيق غنية تُسرِّع نمو الروبوتات باستمرار.
في المستقبل، لن تعيد تكنولوجيا الروبوتات تشكيل ملامح التصنيع فحسب، بل قد تصبح قوة دافعة لإعادة هيكلة الاقتصاد وتحويل أنماط الإنتاج الاجتماعي، لتكون إحدى الركائز الأساسية في تشكل أنماط الإنتاج الجديدة النوعية في الصين.



