اخر الأخباراوراق المراقب

رمضان واستعادة الإنسان.. في رحاب الضمير وجماليات الروح

مع إطلالة الشهر المبارك، نجد أنفسنا أمام فرصة استثنائية لإعادة ضبط إيقاع حياتنا بالكامل، نحن في أمسّ الحاجة لهذه الوقفة التي تنتزعنا من الركض اللاهث خلف الماديات، لتعيدنا إلى جوهرنا الذي أرهقته العادة.

إن الصيام يمنحنا القدرة على استرداد ضمائرنا من غفوتها، ويوقظ فينا إحساساً عميقاً بالآخرين كان قد توارى خلف سحب الانشغالات اليومية. في هذه الأيام، ندرك يقيناً، أن الحرمان ليس عقوبة، وإنما هو معلمٌ يهمس لنا بأن كرامة الإنسان تكمن في قدرته على التسامي فوق احتياجاته الشخصية ليرى احتياج محيطه.

إن هذا الانقطاع الاختياري عن المألوف يكسر رتابة التملك، ويفتح نوافذ البصيرة على نعمٍ صغيرة لم نعد نراها من فرط الاعتياد؛ فالماء الذي كان مجرد سائل، يصبح في لحظة الصدق مع الذات رمزاً للحياة التي يفتقدها الملايين، واللقمة التي كنا نتناولها بعجلة، تتحول إلى جسرِ اتصالٍ وجداني مع كل جائع على هذه الأرض، مما يعيد صياغة مفهوم الرفاه من امتلاك الأشياء إلى الشعور بالآخر.

إن الدوافع التي تجعلنا نتشبث بإحياء هذا الضمير تتجاوز حدود الطقس؛ فنحن نعيش زمناً غلبت عليه الفردانية، حتى بات التعاطف مجرد شعورٍ بارد يمر عبر الشاشات. يأتي رمضان ليجعل الرحمة ممارسة حية، ويحولها من فكرة مجردة إلى اشتباكٍ حقيقي مع الواقع عبر الشعور الموحد بالحاجة.

والجمال هنا يبرز في أبهى تجلياته حين يقرر الإنسان، بكامل إرادته، أن يكسر حدة الأنا ويجعل من كرامة أخيه الإنسان بوصلةً لتحركاته وسلوكه.

هذه الرحلة نحو الآخر تتطلب شجاعةً في التخلي عن كبرياء الذات ومساحات الأمان المصطنعة التي نبنيها حول أنفسنا؛ فإحياء الضمير هو عملية تحرر من سجن المصالح الضيقة، وانعتاقٌ نحو رحابة الالتزام الأخلاقي تُجاه المجتمع.

إننا بذلك نحول العبادة من أداءٍ فردي إلى فعلٍ اجتماعي يغير خارطة العلاقات، ويستبدل منطق الاستغناء بمنطق الاحتياج المتبادل، حيث يدرك القوي، أن قوته تكتمل بإنصاف الضعيف، ويعي الغني أن كفاية الفقير هي صمام الأمان لسكينته الشخصية.

وإذا ما تأملنا واقعنا بعينٍ ناقدة، سنجد تناقضاً يستحق الوقوف عنده؛ فبينما يُفترض أن يكون الشهر محطةً للزهد، نلحظ في الأسواق والموائد انفجاراً استهلاكياً يتجاوز المنطق، حيث تشير التقارير الاقتصادية إلى أن الإنفاق الغذائي يرتفع بنسبٍ قد تصل إلى 40%. هذا السلوك يخدش الجمال الأخلاقي للصيام؛ فالفلسفة الحقيقية للعطاء في رمضان لا تكتمل إلا بـ”أدب النفس”، حيث نُعطي بحبٍّ يحفظ عزة المحتاج، ونؤمن بأن اليد التي تمتد للمساعدة في الخفاء هي اليد التي تبني المجتمع فعلياً بعيداً عن أضواء المباهاة.

إن ممارسة الكرم تحت ضجيج الكاميرات تحول العطاء إلى سلعة وتجرد المحتاج من أغلى ما يملك، وهو حياؤه. إن النقد الحقيقي يتوجه لثقافة الاستعراض بالألم التي توغلت في أفعال الخير، فالعطاء الراقي هو ذلك الذي يسبقه فكرٌ واعٍ يراعي سيكولوجية الإنسان قبل احتياجات جسده.

الجمال يكمن في الصمت الذي يغلف الفعل، وفي “الخفاء” الذي يضمن بقاء الود نقياً من شوائب المنّ أو رغبة الظهور، فالمجتمع الذي يحترم خصوصية محتاجيه هو مجتمعٌ سليمٌ نفسياً وقادرٌ على النمو الأخلاقي المتزن.

إن الاستنتاج الذي نخرج به من هذه التجربة هو أن الضمير الاجتماعي ينمو بالمراس والتعود. والجمال الذي نلمسه في رمضان يتجلى في تلك الروابط التي يعاد غزلها بمودة؛ في طبق الجار الذي يحمل رسالة تقدير صامتة، وفي دبلوماسية التسامح التي تصفّي القلوب.

إن من يراقب الله في صيام يومه، يربي بداخله نزاهةً تحميه من التعدي على حقوق الآخرين في كل مفاصل الحياة، وهذا هو الضمان الحقيقي لمجتمعٍ متماسك يحكمه الوازع الداخلي قبل سلطة القانون. هذا الامتداد للقيم من المحراب إلى الشارع هو ما يمنح رمضان صبغته الحضارية؛ فالصائم الذي يتجنب الغش في ميزانه، أو المسؤول الذي يترفع عن المحسوبية إجلالاً لروحه الصائمة، يثبت أن الضمير الحي هو المراقب الأوفى الذي لا ينام.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى