اراء

الإمبراطورية الأمريكية.. مسار الانحدار ووهم الاستثناء

بقلم: مازن النجار..

لا يزال نقاش المفكّرين ممتداً حول مستقبل القوة الأمريكية، ركيزة قوة الغرب الرئيسة، وآفاق أفولها بناءً على تحليل عوامل القوة ومصادرها، ومسارات تآكلها أو تعزيزها.

وكان إيمانويل تود، المؤرّخ والديموغرافي وعالم الاجتماع والأنثروبولوجيا الفرنسي، قد قدّم في كتابه: “ما بعد الإمبراطورية”، (2001)، حججه العديدة على أفول أميركا كقوة عالمية وحيدة مهيمنة، رغم مزاعم انتصارها الكبير بانهيار الاتحاد السوفياتي. وتنبأ بخسارة مكانتها كقوة عظمى بينما تبتعد عن القيم الديمقراطية التقليدية المتمثّلة بالمساواة والعالمية، وتنفق ما يفوق إمكانياتها اقتصادياً، وتثير غضب الحلفاء والأعداء على حدّ سواء بسياساتها العسكرية والأيديولوجية.

رصد تود في كتابه الأحدث، “سقوط الغرب” (2024)، أعراض الأفول: نهاية الدولة القومية والديمقراطية؛ وصول المصفوفة الدينية البروتستانتية إلى “نقطة الصفر” والإفلاس؛ تراجع التصنيع مما يفسّر عجز حلف الناتو عن إنتاج الأسلحة والذخائر الضرورية لأوكرانيا؛ زيادة حادّة بمعدّلات الوفيات بأميركا تتجاوز مثيلاتها بروسيا؛ تفاقم حالات الانتحار وجرائم القتل؛ وسيادة العدميّة الإمبراطورية هوساً بالحروب الأبدية.

ضغوط اقتصادية وتشرذم سياسي

في عام 1988، أصدر المؤرّخ البريطاني بول كينيدي عمله الأهمّ: “قيام وسقوط القوى العظمى”، وخلص فيه إلى معادلة اقتصادية سياسية تحكم مسار القوى العظمى: تأريخياً تبدأ القوى العظمى ومشروعاتها الإمبراطورية في التراجع والانهيار عندما تفوق كلفتها العوائد المتحقّقة منها؛ بل ويتجاوز التمدّد المفرط حدود قدرات الإمبراطورية اقتصادياً وعسكرياً.

أثبتت معادلة كينيدي جدواها في تقييم الأسس الاقتصادية للقوة الأميركية. فلا تزال الولايات المتحدة تتمتع باقتصاد ضخم وابتكاري، لكنّ التوافق بين بنيتها الاقتصادية المحلية والتزاماتها العسكرية العالمية يزداد توتراً.

انهيار الاحترام.. المهابة واللغة وتدهور المناصب العليا

وبحسب دراسة ميرشايمر وغرينييه وفيتزجيرالد، الإمبراطوريات لا تنحدر بسبب الاستنزاف المادي أو الفشل العسكري فحسب، بل تتدهور رمزياً أيضاً. المهابة كانت الأجيال السابقة تسمّيها “الوقار”، ليست زينة، بل شكل من أشكال القوة. عندما تتآكل المهابة، يحلّ الإكراه محلّ السلطة، والابتذال محلّ الشرعية.

يُعدّ سلوك ولغة كبار الشخصيات السياسية الأميركية في السنوات الأخيرة مؤشّراً على تآكل عميق للهيبة الأميركية. فالاستخدام الاعتيادي للشتائم والتهديدات ولغة الشارع من قِبل مسؤولي البيت الأبيض والنخب، ليس خروجاً أسلوبياً عن المعايير السابقة فحسب، بل يعكس فقدان الثقة في السلطة الأخلاقية للمنصب نفسه.

الهيبة كقوة ونقيضها التأريخي

يتناقض هذا التدهور تناقضاً صارخاً مع سلوك رجال الدولة الأميركيين السابقين، ولا سيما خلال فترات الثقة الاستراتيجية الحقيقية. فقد تحدّثوا بضبط نفس متعمّد حتى مع خصومهم. وأدركوا أنّ الاحترام واللغة الرصينة ليستا دليل ضعف، بل أدوات سلطة. فالقدرة على ضبط اللغة لا تنفصل عن القدرة على كبح التصعيد.

ما ميّز ذلك الجيل من القادة الأميركيين لم يكن النقاء الأخلاقي، بل الانضباط الذاتي الاستراتيجي. فقد أدرك أولئك القادة عواقب الكلمات، إذ إنّ اللغة العامّة تُشكّل التحالفات والردع والشرعية. ويعكس التخلّي المعاصر عن هذا الانضباط حقيقة أعمق، وهي أنّ الإمبراطوريات المتداعية غالباً ما تستبدل العدوان الاستعراضي بالسلطة الفعلية. عندما يتلاشى النفوذ، يلجأ القادة للتعويض بالصدمة والإهانة والهيمنة الاستعراضية. وتبدأ لغة الحكم بانتهاج لغة الإكراه.

من النفوذ إلى الترهيب

يحذّر ميرشايمر وغرينييه وفيتزجيرالد من الاستهانة بأهمية هذا التحوّل. فالنظام الدولي لا يقوم على القوة المادية فقط، بل على توقّعات مشتركة للسلوك. عندما تتخلّى القوة المهيمنة عالمياً عن معايير ضبط النفس، واحترام المنصب، والخطاب الرصين الذي روّجت له وحدّدت نبرته في السابق، فإنها تُسرّع الانهيار الممنهج.

فابتذال اللغة السياسية الأميركية ليس مجرّد شكوى جمالية، بل إشارة استراتيجية. فهو يُنبئ الحلفاء بأنّ القيادة الأميركية أصبحت أكثر اندفاعاً، ويُنبئ الخصوم بتآكل ضبط النفس، ويُنبئ الجماهير المحلية أنّ المؤسسات لم تعد تحظى بالاحترام، بل بالخوف أو الولاء فقط.

توجيه أدوات الإمبراطورية داخلياً.. ارتداد وقمع وعودة العنف

في كتابه “الارتداد: تكاليف وعواقب الإمبراطورية الأميركية”، حذّر جونسون أيضاً من أنّ الإمبراطوريات العاجزة عن استدامة هيمنتها في الخارج تلجأ للإكراه في الداخل. ولا يقتصر الارتداد، وفقاً لتفسيره، على الانتقام الخارجي، بل هو التآكل الداخلي للمعايير السياسية والحريات المدنية والتماسك الاجتماعي، والذي يتبع التوسّع الإمبراطوري المفرط. فالأدوات التي طُوّرت للسيطرة على الشعوب البعيدة يُعاد توظيفها في نهاية المطاف لمواجهة المعارضة في الداخل.

أصداء التأريخ ووهم الاستثناء

في العام الأخير فقط (2025)، شهد العالم عسكرة وعدوانية وتهديدات أميركية هائلة ضدّ إيران وفنزويلا وبنما وكوبا وكولومبيا والمكسيك ونيجيريا وكندا والدنمارك (غرينلاند)، أثارت عالمياً ردّ فعل عدائياً ومقاطعة واسعة ضدّ الولايات المتحدة، بما يحيل الحديث عن القوة نكتة سمجة.

كلّ إمبراطورية تعتقد باستثنائيتها. لكن لا توجد إمبراطورية مختلفة. إنّ صعود الصين ليس سبب انحدار أميركا، بل نتيجته. التعددية القطبية بحدّ ذاتها ليست فوضى. فالفوضى تنشأ عندما ترفض قوة مهيمنة متراجعة قبول القيود.

وقد أدرك المفكّر الأميركي الراحل، كينيث والتز، هذا المنحدر مبكراً. فالإمبراطوريات لا تسقط بسبب تعرّضها للهجوم، بل لأنها لا تستطيع التوقّف عن التوسّع. والمنطق الذي يحكم الإمبراطورية الأميركية ليس واضحاً. فما لم يحلّ ضبط النفس محلّ الإكراه، ستسلك أميركا مسار كلّ إمبراطورية سبقتها، لا كاستثناء من التأريخ، بل كتأكيد له.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى