العدوان على إيران.. مأزق أمريكي داخلي قبل أن يكون صراعاً إقليمياً

بقلم: السيد شبل..
تتجاوز التهديدات الأمريكية باستخدام الخيار العسكري ضد إيران حدود الصراع الإقليمي، لتصل إلى إشكالية بنيوية داخل الولايات المتحدة ذاتها. ففي الوقت الذي تدرس فيه الإدارة خيارات العدوان، يبرز انقسام مؤسسي حاد حول صلاحيات الرئيس الدستورية في شن الحروب من دون تفويض صريح من الكونغرس.
هذا المأزق القانوني يترافق مع معارضة شعبية متزايدة للانخراط في نزاعات خارجية جديدة، خاصة في ظل أوضاع اقتصادية واجتماعية داخلية مضطربة، ما يضع السلطة التنفيذية في مواجهة مباشرة مع آليات الرقابة الديمقراطية.
وعليه، لم تعد الضربة العسكرية المحتملة مجرد أداة لتحقيق مصالح دولة ذات طابع إمبراطوري، بل أصبحت قضية تمس جوهر الشرعية السياسية وطريقة إدارة الأزمات الكبرى في الولايات المتحدة.
رفض شعبي للحرب
تشير المعطيات الداخلية إلى انقسام حاد حول العدوان على إيران، لكن مع غلبة واضحة للتيار الرافض. استطلاعات شباط 2026 تظهر أن نسبة التأييد للضربة العسكرية لا تتجاوز 21% في بعض القياسات، مقابل نحو نصف الأميركيين يعارضونها، وأغلبية تتجاوز 70% تعارض أي تدخل عسكري بدعوى “دعم الاحتجاجات الداخلية” في إيران.
من جهة أخرى هناك الكونغرس، وقد منحه الدستور الأميركي سلطة إعلان الحرب، بينما يمارس الرئيس سلطات عسكرية واسعة بحكم موقعه. هنا يظهر التوتر القائم حالياً، مع دعوات من شخصيات مثل السيناتور الديمقراطي تيم كين، والجمهوري راند بول، وزعيم الأقلية الديمقراطية تشاك شومر، للتأكيد أن إعلان الحرب هو اختصاص حصري للكونغرس مقابل تمسّك الرئيس بصلاحياته التنفيذية.
الحرب عبءٌ اقتصادي مباشر على المواطن الأمريكي
غالباً ما يُغلَّف الخطاب السياسي التدخلات العسكرية بشعارات الردع والأمن القومي، لكن تجربة الشرق الأوسط تقدم دروساً مكلفة. حرب العراق كلفت تريليونات الدولارات، وأسهمت بتضخم الدين العام، وأجبرت الحكومة على الاقتراض وزيادة الإنفاق العسكري على حساب الاستثمار الداخلي.
وفي حال اندلاع حرب طويلة مع إيران، لن تقتصر النتائج السلبية على الأرقام المالية، بل ستنعكس مباشرة على حياة المواطن الأميركي:
أولاً، ارتفاع أسعار الطاقة: أي تصعيد مع إيران ـ وهي لاعب أساسي في منطقة الخليج ـ قد يدفع أسعار النفط للارتفاع، ما يعني زيادة مباشرة في أسعار الوقود داخل الولايات المتحدة، ثم ارتفاع تكاليف النقل والغذاء.
ثانياً، زيادة التضخم: الإنفاق العسكري الطارئ يُموّل غالباً عبر الاقتراض، ما يعمّق العجز ويضغط على السياسات النقدية، وقد يؤدي إلى موجات تضخمية جديدة.
ثالثاً، تقليص الإنفاق الاجتماعي: كل دولار يُوجَّه للحرب هو دولار لا يُوجَّه للبنية التحتية، أو الرعاية الصحية، أو دعم الطبقة الوسطى.
رابعاً، اهتزاز الأسواق: أي مواجهة إقليمية واسعة قد تؤدي إلى تقلبات حادة في أسواق المال، ما ينعكس على مدخرات الأميركيين وصناديق تقاعدهم.
بمعنى آخر، الضربة العسكرية لن تبقى في حدود غرب آسيا، بل ستنعكس على الداخل الأميركي في صورة أسعار أعلى وضرائب محتملة وخدمات أقل.
التناقض مع خطاب “أمريكا أولاً“
المفارقة أن جزءاً مهماً من القاعدة الجمهورية ـ بما في ذلك مؤيدو ترامب ـ أيدوا خطاب تقليص التدخلات الخارجية والتركيز على الداخل. وإذا كانت نسبة معتبرة من أنصار دونالد ترامب تدعم موقفاً متشدداً تجاه إيران، فإن المزاج العام داخل البلاد يبدو غير متحمس لمغامرة عسكرية مفتوحة.
عند متابعة الساسة والمحللين الذين يظهرون في وسائل الإعلام المؤيدة للخط الجمهوري بالولايات المتحدة يتضح أن هناك رغبة كبيرة في “كسر إيران” عبر إجبارها على التخلي بشكل كامل عن المشروع النووي وتفكيك البرنامج الصاروخي والتوقف عن لعب أي دور إقليمي يهدد أمن “اسرائيل”، لكنهم في الوقت ذاته لا يريدون أن تورّطهم تلك الرغبات في الانغماس بحرب واسعة ومكلفة مع إيران، خاصة أنهم يدركون الفارق بين ظروف الحرب اليوم، وبين ظروف المعارك التي دارت في حزيران الماضي.
فعندما نفذ ترامب عملية مطرقة منتصف الليل (Operation Midnight Hammer) منذ نحو ثمانية أشهر، ردّت إيران على القصف بضربة لقاعدة العديد الأميركية في قطر، مع مواصلة قصف “إسرائيل”، لكن هذه المرة، إيران لن تكتفي بالرد المكافئ، وستعلن حرباً شاملة ومفتوحة، وسيجري الرد على الضربة الأميركية بـ”أقسى طريقة ممكنة”، ذلك بناءً على تصريحات كبار المسؤولين في إيران.
كذلك، فهناك خطاب جمهوري واضح يحذّر من الحرب، لأنه يرصد تماسك الجبهة الداخلية في إيران، بعدما نجحت المؤسسات الإيرانية في إجهاض المخطط الفوضوي، ويؤكد أن “الضربات الأميركية، ستجمع الشعب حول النظام أكثر فأكثر”، وهذا التوجه يمثله الجمهوري راند بول، على سبيل المثال.
هذا الصمود الإيراني تحديداً هو ما يربك الحسابات الأميركية، فالبيت الأبيض يدرك أن العالم لن يعتبره منتصراً في الحرب إلا إذا “تمكّن من تغيير النظام في إيران أو على الأقل أجبره على تغيير نهجه”، وهو أمر من العسير للغاية تحقيقه وفق موازين القوى الحالية، وستكون الولايات المتحدة مجبرة على حرب بلا أفق زمني واضح، وستستنزف مواردها لسنوات وهي غير مضمونة.



