كيف فشل التحالف الأمريكي-الإسرائيلي في إيران؟

بقلم: مازن النجار..
تمثل الاحتجاجات التي اندلعت في كانون الأول 2025، المواجهة الثانية بين التحالف الأمريكي-الإسرائيلي والجمهورية الإسلامية. فقد أعدّ لها التحالف الأمريكي-الإسرائيلي جيداً كجولة حاسمة لإسقاط النظام وتفكيك البلاد واحتلالها عسكرياً أيضاً وتنصيب حكومة عميلة على طريقة انقلاب وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية ضد حكومة مُصدّق الدستورية.
يعتبر البروفيسور جون ميرشايمر، أحد أبرز علماء السياسة الأمريكيين، هذا التفسير لما حدث في إيران، خاطئاً تماماً، وتدحضه أدلة كثيرة. لا يُنكر هذا الاعتبار وجود العديد من المتظاهرين السلميين الذين كانت لديهم مطالب مشروعة أقرّت بها الحكومة ورئيس الجمهورية، لكن هذا ليس سوى جزء من قصة أكبر.
استراتيجية مألوفة
فما حدث في إيران هو محاولة فاشلة من التحالف الإسرائيلي- الأمريكي للإطاحة بالحكومة في طهران وتفتيت إيران، على غرار ما فعلته الولايات المتحدة وروسيا وبعض دول الخليج و”إسرائيل” لتفتيت سوريا.
وبحسب ميرشايمر، لم تكن الاستراتيجية المتبعة في إيران جديدة، بل هي استراتيجية مألوفة تتكون من أربعة عناصر:
أولاً، دأبت الولايات المتحدة على تدمير الاقتصاد الإيراني بالعقوبات. وقد ضاعفها الرئيس ترامب بعد عودته إلى البيت الأبيض في كانون الثاني 2025. كان هدفه ممارسة “أقصى ضغوط” على الاقتصاد الإيراني، وقد حقق ذلك بالفعل. لا شك أن اقتصاد إيران قد عانى جزئياً سوء الإدارة في بعض الجوانب، لكن العقوبات الغربية ألحقت ضرراً أكبر بكثير. والهدف النهائي من هذه العقوبات هو إلحاق أشد أنواع المعاناة والعقاب بالشعب الإيراني ليثور ويطيح بحكومته.
ثانياً، باشر الفريق الأمريكي-الإسرائيلي عمله أواخر كانون الأول 2025 لتحريض ودعم احتجاجات عنيفة تستدعي رداً حكومياً بالغاً، بهدف أن يؤدي ذلك إلى دوامة عنف خارجة عن سيطرة الحكومة. وبشكل أكثر تحديدًا، ثمة أدلة واضحة على وجود عملاء للموساد على الأرض في إيران، ومن المؤكد وجود عملاء لوكالة المخابرات المركزية يعملون جنبًا إلى جنب معهم. وقد تعاونوا بشكل وثيق مع المحرضين المحليين -مثيري الشغب الذين كانوا عازمين على التدمير والاغتيال- لتحويل الاحتجاجات السلمية إلى احتجاجات عنيفة، ما يدفع الحكومة بدورها للعنف. وتتوفر لقطات فيديو وفيرة للمحرضين أثناء عملهم.
لم يكن مفاجئًا أن ترامب كان يشجع المتظاهرين، قائلاً في 13 كانون الثاني 2026: “أيها الوطنيون الإيرانيون، استمروا في الاحتجاج – سيطروا على مؤسساتكم!!!… المساعدة قادمة”.
وفي 2 كانون الثاني 2026، قال مايك بومبيو، أول مدير لوكالة المخابرات المركزية في عهد ترامب: “عام جديد سعيد لكل إيراني في الشوارع. وكذلك لكل عميل للموساد يسير بجانبهم”. ومع بدء الاحتجاجات أواخر كانون الأول 2025، أرسل الموساد رسالة بالفارسية إلى الإيرانيين، يقول فيها: “اخرجوا معًا إلى الشوارع. لقد حان الوقت. نحن معكم. ليس فقط بالكلام عن بُعد، بل نحن معكم في الميدان”.
ثالثا، تواطأت وسائل الإعلام الغربية مع هذا التحالف، وروّجت لرواية، أن الاحتجاجات كانت أساساً رد فعل على سياسات حكومة شريرة في طهران، وليس بسبب تدخل خارجي. وأن الاحتجاجات كانت سلمية، لكن الحكومة هي من بدأت العنف! بطبيعة الحال، صُوِّرت “إسرائيل” والولايات المتحدة إعلامياً كطرفين منتصرين. لم تكن هذه الدعاية تستهدف فقط كسب تأييد الاحتجاجات في الغرب، بل أيضًا التأثير على الأحداث داخل إيران وترسيخ فكرة، أن النظام وحشي للغاية، وأن المتظاهرين سيُسقطون الحكومة حتماً.
رابعاً، كان الجيش الأمريكي و”الجيش” الإسرائيلي، على أهبة الاستعداد لمهاجمة إيران حالما تبلغ الاحتجاجات ذروتها، بهدف القضاء على النظام وإحداث فوضى عارمة في إيران، على أمل أن تُؤدي إلى تفكك البلاد.
فشل حملة تغيير النظام
لكن هذه الاستراتيجية فشلت، ويعود ذلك أساسًا إلى قدرة الحكومة الإيرانية على احتواء الاحتجاجات بسرعة وحسم. وكان من أهم عوامل نجاح الحكومة قطع خدمة إنترنت ستارلينك، ما صعّب على المتظاهرين التواصل فيما بينهم ومع العالم الخارجي. وبمجرد حدوث ذلك، باتت الاحتجاجات محكومة بالفشل، وأدرك كل من رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو والرئيس الأمريكي ترامب أن التحالف لا يستطيع استخدام القوة العسكرية لتنفيذ الانقلاب النهائي، لقد صمد النظام الإيراني.
باختصار، فشلت حملة التحالف لتغيير النظام. وخسرت “إسرائيل” والولايات المتحدة هذه الجولة أمام إيران. بالطبع، أحجمت وسائل الإعلام الإسرائيلية والغربية عن تصوير النتائج بهذه الطريقة.
كانت لهذه الأحداث الأخيرة صلة وثيقة بحرب الأيام الاثني عشر بين إيران والتحالف الأمريكي -الإسرائيلي، والتي دارت رحاها بين 13 و24 حزيران 2025. تُصوَّر هذه الجولة من الصراع عادةً في الغرب نصراً عظيماً لـ”إسرائيل” والولايات المتحدة، إلا أن هذا الوصف لا يعكس بدقة نتائج الجولة السابقة.
يقول ميرشايمر، لقد حرصت “إسرائيل”، أكثر من إيران، على إنهاء حرب الأيام الاثني عشر، إذ كانت “إسرائيل” تستنزف مخزونها من الصواريخ الدفاعية، بينما كانت إيران تزداد براعة في استخدام ترسانتها الضخمة من الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز لقصف “إسرائيل”. بل جادل البعض آنذاك بأن إيران ما كان ينبغي لها الموافقة على وقف إطلاق النار، لأنها كانت تكتسب اليد العليا على “إسرائيل”، ولا تبدو هذه النتيجة نصراً إسرائيلياً بأي حال.
بالنسبة إلى ميرشايمر، يبدو غريباً غياب أية معلومات ذات مغزى في السجل العام من إعلام وصحافة وأبحاث وتقارير الكونغرس حول تأثير الهجوم الأمريكي في 22 حزيران 2025 على البنية التحتية النووية الإيرانية، خصوصاً منشآت تخصيب اليورانيوم، فضلاً عن 400 كيلوغرام من اليورانيوم خصبتها إيران بنسبة 60 في المئة. ولو أن كل شيء قد دُمر، كما يدّعي الرئيس، لكان التحالف أعلن عن ذلك ودعم مزاعمه ببعض البيانات على الأقل.



