مفاوضات مسقط .. هندسة التراجع وصراع الإرادات

بقلم: ليلى نقولا..
بين طموح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في إبرام “الصفقة الكبرى” ومحاولة أخذ تنازلات مؤلمة من إيران، وثبات إيران على مواقفها معتمدة استراتيجية “الصمود والصبر الاستراتيجي”، جاءت مفاوضات مسقط في شباط 2026 لتكشف عن فصل جديد من صراع الإرادات في الشرق الأوسط.
تأتي جولة المفاوضات الحالية بين الإيرانيين والأمريكيين، تجسيداً للاشتباك بين فلسفتين:
الأولى فلسفة إيران التفاوضية كما صاغها وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في كتابه “قوة التفاوض”، والتي ترى في الدبلوماسية وسيلة لحفظ كرامة الدولة ومنع الخسارة الاستراتيجية.
والثانية: فلسفة الرئيس الأميركي دونالد ترامب النفعية التي تسعى لتحويل الضغط الاقتصادي والعقوبات القاسية، والتهديد بالحرب الشاملة واعتماد أسلوب الخطاب التهويلي للحصول على مكاسب سياسية من دون كلفة.
إدارة الوقت
تتجسّد الاختلافات أيضاً في النظرة إلى عامل الوقت. حيث يرى عراقجي في كتابه أنّ الوقت هو أحد أهمّ عناصر القوة، معتبراً أنّ “مَن لا يخشى الانتظار يفرض شروطه”. وعلى هذا الأساس، يقوم المفاوض الإيراني عادة باستنزاف الخصم وإغراقه بالتفاصيل.
وفي هذا الإطار، يذكر عراقجي في كتابه، أنه وفي خلال التفاوض بين إيران والدول الخمس زائداً واحداً، وفي لحظة الاقتراب من الإعلان عن توقيع الاتفاق (2015)، سألت ويندي شيرمان (دبلوماسية أمريكية) عراقجي: “هل أنتم موافقون على الاتفاق؟” قال لها “نعم.. ولكن”، عندها انهمرت دموعها وقالت له: “أنتم دائماً تطلبون المزيد“.
في المقابل، يندفع الرئيس ترامب حالياً، بمنطق “التاجر” المستعجل لتحقيق صفقة رابحة، وهو ما قال عنه توم برّاك إنّ رئيسه يضجر بسرعة من الملفات، وينتقل بسرعة من ملف إلى آخر.
لكن، بالرغم من ذلك التباين، وبالرغم من قدرة المفاوض الإيراني وتمرسّه باستنزاف الخصم، قد لا يكون مفيداً حالياً لإيران استخدام تكتيك المماطلة، إذ إنّ التجربة السابقة في التفاوض بين الإدارة الحالية وإيران وبعد استنزاف الوقت، اندفع ترامب لاستخدام ذريعة “انتهاء الوقت” لشنّ حرب على إيران، بعدما انتهت مهلة الستين يوماً التي كان قد حدّدها.
معركة التصوّرات
أكاديمياً، نحن أمام نموذج معقّد لـ”إدارة التصوّرات”. تحاول الإدارة الأميركية تسويق سردية “رغبة الإيراني” في عقد اتفاق بعد التهديدات وبعد وصول الحشد العسكري إلى المنطقة، بينما تسعى إيران لتصوير الجلوس إلى طاولة المفاوضات كـ “ندّية دبلوماسية” فرضها واقع الردع الصاروخي في حرب حزيران 2025، وفشل أعمال الشغب التي دبّرها الموساد في الداخل.
عملياً، هذه السرديات هي محاولة لـشرح “هندسة التراجع” من قبل الطرفين؛ واشنطن تراجعت عن سقف “الحرب الشاملة وإلّا” وإيران تراجعت عن سقف “المقاطعة الشاملة” ورفض التفاوض بسبب السلوك الأميركي، كما صرّح عراقجي في كانون الثاني 2026.
وعليه إنّ التوازن الإقليمي الذي أدّى إلى مفاوضات مسقط يؤكّد أننا انتقلنا من مرحلة “فرض الإرادات” إلى مرحلة “إدارة العجز المتبادل”. لا شكّ أنّ العودة إلى طاولة المفاوضات مردّه إلى إدراك الأميركيين صعوبة تغيير النظام وأنّ الحرب ليست نزهة، بينما أدرك الإيرانيون أنّ التهدئة والعودة إلى طاولة المفاوضات تبقى الخيار الأمثل كبديل عن الحرب.
وعلى هذا الأساس، تُستخدم الدبلوماسية حالياً للتغطية على تبدّل موازين القوة في الإقليم. تحاول الولايات المتحدة “نزع سلاح الخصم” دبلوماسياً عبر ربط الملفات (النووي، الصواريخ، والنفوذ الإقليمي)، وهو ما تعتبره إيران فخاً يهدف لسلبها أوراق قوتها الميدانية والتحصيل بالدبلوماسية ما لم تستطع “إسرائيل” تحقيقه عبر الميدان خلال حرب حزيران، لذا ترفضه وتشدّد على فصل الملفات، والاستعداد للحديث عن الملف النووي فقط.
من هنا تبرز معضلة “الخسارة الاستراتيجية” لكلّ طرف؛ فإيران تدرك أنّ التخلّي عن الصواريخ هو انتحار جيوسياسي، وأنّ صمود الدولة وتوظيفها للوقت، كما شرحه عراقجي، لا يكتمل إلا بمتانة الجبهة الداخلية والقدرة على الخروج من المفاوضات بربح نسبي من دون التنازل عن المسلّمات الاستراتيجية. بينما يدرك ترامب أنّ رفع العقوبات والعودة إلى الاتفاق السابق من دون تنازلات جوهرية من إيران سيشكّل مجالاً لانتقادات داخلية وإسرائيلية.
لذا، تبدو مفاوضات مسقط الحالية جولة في “حرب مسارات”، حيث يقاس النصر بمن يمتلك القدرة على تحويل أوراق القوة الميدانية إلى ورقة رابحة في مفاوضات يتداخل فيها الكثير من التعقيد والأطراف المتباينة الأهداف والمصالح.



