اخر الأخباراوراق المراقب

أخلاق المنتظرين في عصر الغيبة والطهارة المعنوية

مرتضى معاش..

الأسوة الحسنة والتلبّس بأخلاق المعصومين

 يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) الأحزاب21.

عند التأمل في قوله تعالى، نجد أن معنى الأسوة في الأصل هي الحالة التي يتلبس بها الإنسان أثناء اتباعه للغير، سواء كان ذلك المُتَّبَع قائداً أو إماماً أو أي شخص آخر؛ فالأسوة هي القدوة التي يُتأسى بها. وقد خُصَّت الأسوة هنا بالوصف حسنة، للإشارة إلى أن هناك أسوة حسنة، وبالمقابل توجد أسوة سيئة.

ولكي يكون الإنسان صالحاً في حياته ومساره، وفي اتباعه للنبي محمد (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته المعصومين؛ لابد له من التأسّي الحقيقي. وهذا التأسّي يتحقق من خلال التلبّس بأخلاق الرسول، وأخلاق أهل البيت (عليهم السلام)، وأخلاق الإمام الحجة (عجل الله فرجه).

شروط الاقتداء في عصر الانتظار

يقول أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام) في وصف ضرورة الاقتداء: (فَتَأَسَّى مُتَأَسٍّ بِنَبِيِّهِ وَاقْتَصَّ أَثَرَهُ وَوَلَجَ مَوْلِجَهُ وَإِلَّا فَلَا يَأْمَنِ الْهَلَكَةَ)، ومعنى ذلك؛ أن من يرجو النجاة في حياته، ويسعى لتجاوز مخاطر السقوط والهلاك، لا بد له من التأسّي برسول الله (صلى الله عليه وآله) واتخاذه الأسوة الحسنة قولاً وفعلاً.

وقد رسم الإمام علي (عليه السلام) خريطة طريق واضحة لهذا الارتباط بقوله:

 (أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَأْمُومٍ إِمَاماً يَقْتَدِي بِهِ وَيَسْتَضِي‏ءُ بِنُورِ عِلْمِهِ أَلَا وَإِنَّ إِمَامَكُمْ قَدِ اكْتَفَى مِنْ دُنْيَاهُ بِطِمْرَيْهِ وَمِنْ طُعْمِهِ بِقُرْصَيْهِ أَلَا وَإِنَّكُمْ لَا تَقْدِرُونَ عَلَى ذَلِكَ وَلَكِنْ أَعِينُونِي بِوَرَعٍ وَاجْتِهَادٍ وَعِفَّةٍ وسَدَادٍ).

وصايا الإمام العسكري (ع): دستور أخلاقي لعصر الغيبة

يُعد دور الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) ممهداً رئيسياً لعصر الغيبة؛ إذ إن جُلَّ أحاديثه تصب في خانة التهيئة لعصر الانتظار، وتتضمن وصايا وتوجيهات حول ما يتوجب علينا فعله في هذه المرحلة. ومن أبرز وصاياه تلك التي تحدد ملامح شخصية الشيعي في زمن الغيبة، وكيفية تلبّسه بأخلاق الإمام الحجة (عجل الله فرجه) سلوكاً وعملاً.

يقول الإمام العسكري (عليه السلام) مخاطباً شيعته في وصية مطولة نقتبس منها موضع الشاهد:

 (فإن الرجل منكم إذا ورع في دينه، وصدق في حديثه، وأدى الأمانة، وحسَّنَ خلقه مع الناس، قيل: هذا شيعي فيسرني ذلك. اتقوا الله وكونوا زَينا ولا تكونوا شَينا، جُرُّوا إلينا كل مودة، وادفعوا عنا كل قبيح…).

إن المتأمل في هذا النص يدرك ضرورة أن يكون المنتظِر مصدراً لسرور الإمام العسكري وأئمة أهل البيت (عليهم السلام)؛ وذلك عبر الالتزام بالورع، والأمانة، وحسن الخلق.

وعن الامام الصادق (عليه السلام): (كونوا دعاة للناس بغير ألسنتكم، ليروا منكم الورع والاجتهاد والصلاة والخير، فإن ذلك داعية).

توظيف الإعلام الحديث في نشر المعرفة المهدوية

إن استخدام وسائل الإعلام الحديثة لنشر المعرفة الصحيحة عن الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه)، له دور كبير في رسم سلوكيات المنتظرين في عصر الغيبة، فالإعلام ليس مجرد أداة دعائية، أو واجهة لطرح المعلومات والبث المنمق؛ بل هو في جوهره معرفة ورسالة. ورسالته الحقيقية هي رسالة معرفية تهدف إلى إنقاذ البشرية واستنقاذ الإنسان.

لذا، يتحتم أن تتسم الرسالة الإعلامية بالدقة والعمق والتحليل عند بيان قضية الإمام الحجة وكشف مضامينها؛ فهي ليست قضية هامشية أو عابرة تقتصر على إحياء مناسبة الخامس عشر من شعبان ثم تنقضي، بل هي قضية ممتدة ومصيرية، ونحن نرتبط بها ارتباطاً وثيقاً، إذ إن نظام حياتنا بأسره يعتمد على وجود الإمام (عجل الله فرجه).

الإعلام وبناء الطهارة المعنوية

من أهم الموضوعات التي يجب أن تركز عليها وسائل الإعلام هي قضية أخلاق المنتظرين، وبشكل خاص ذلك الجانب الأساسي الذي ركزت عليه الأحاديث الشريفة، ألا وهو الطهارة المعنوية. وبما أن الإعلام يساهم بشكل مباشر في عملية بناء الشخصية، فإن هناك ركيزتين مهمتين لبناء الشخصية المهدوية في عصر الانتظار، وهما:الطهارة المعنوية، والاستغفار (بمعناه الحقيقي)، الذي يلحق بالأولى ويكملها.

إن الحاجة إلى الطهارة المعنوية تأتي ملحةً اليوم؛ إذ نلحظ أن العالم قد أصبح ملوثاً بالكثير من القضايا؛ فمن التلوث الأخلاقي، إلى الفساد المالي والسياسي والإداري، وصولاً إلى الغش والخداع والتضليل، حتى أن كثيراً من وسائل الإعلام نفسها باتت مزيفة، وتنشر الزيف والرداءة والتفاهة والانحطاط. فأصبح الانسان ملوثاً بسبب هذه البيئة الموبوءة؛ لذا نحن بحاجة ماسة لعملية تطهير معنوي للنفس البشرية.

إن الطهارة المعنوية تعني بناء الإنسان المبدئي والإنسان المستقيم، وهذا النموذج يقف في مقابل الإنسان الانتهازي؛ ذلك الشخص الذي يبرر أفعاله الخاطئة، وارتكابه للحرام والمعاصي، ويشرعن عمليات الفساد والرشوة والخيانة. إن هذا الشخص الانتهازي هو -في حقيقته- عنصر مدمر للمجتمع، وهذا ما نلاحظه بوضوح في واقعنا.

خطورة الانتهازية

إن مجتمعات اليوم التي تتفشى فيها الانتهازية هي مجتمعات مدمرة؛ فنحن نعيش وسط أزمات ومشكلات كبرى، حيث تؤدي هذه الانتهازية والفساد إلى تدمير البنية الاجتماعية. لذا، يتحتم علينا العمل بجد من أجل تحقيق الطهارة المعنوية.

ولتقريب الصورة، لنضرب مثلاً: لو أن إنساناً تلطخ جسده بمجموعة من الخبائث والأقذار من رأسه إلى قدميه، فإنه بلا شك سيشعر بالاشمئزاز من نفسه، وكذلك سيشمئز الناس منه وينفرون عنه. فكيف الحال بمن يحمل هذه الخبائث والأوساخ في نفسه وقلبه؟ المشكلة القائمة اليوم، هي أن صاحب القلب الملوث لا يشمئز من نفسه، ولا يشمئز المجتمع منه، رغم خطورة الأمر.

قد يستهين الإنسان بهذه الذنوب، ولكنها في الحقيقة قذارة؛ فارتكاب المحارم والفساد هو قذارة تلوث حقيقة الإنسان.

وفي هذا المعنى، يقول الإمام علي (عليه السلام): (طهروا أنفسكم من دنس الشهوات تدركوا رفيع الدرجات) . وهذا يعني أن الإنسان الذي يبتغي الارتقاء في عصر الغيبة، إنما يرتقي من خلال عملية التطهير الذاتي.

التطهر من الطمع وغنى النفس

وفي سياق الطهارة المعنوية، تأتي قضية: التطهر من الطمع والحرص، التي تُعد ركيزة جوهرية في أخلاقيات الانتظار، وهي ضرورية للغاية في عملية بناء الإنسان المنتظِر ليكون مستعداً.

إن الأهم في هذا البناء هو أن يكون القلب غنياً. ولكن، من أين يأتي هذا الغنى؟ إن الإنسان الذي يملك المال ولا يشبع، هو في حقيقته فقير في داخله؛ لأن قلبه من غنى الذات.

وكما ورد في الأحاديث الشريفة: إن الغنى غنى النفس؛ فهذا هو الأساس. حين تكون النفس غنية، قد نرى إنساناً فقيراً في أمواله لكنه غني في نفسه، وبالمقابل نجد من هو غني في أمواله ولكنه فقير النفس.

البشارة النبوية عن غنى النفوس في دولة المهدي

عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): أبشركم بالمهدي يبعث في أمتي على اختلاف من الناس وزلازل يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما يرضى عنه ساكن السماء وساكن الأرض يقسم المال صحاحا.

 فقال رجل: ما صحاحا؟ قال: بالسوية بين الناس، ويملا الله قلوب أمة محمد صلى الله عليه وآله غنى ويسعهم عدله حتى يأمر مناديا ينادي يقول: من له في المال حاجة؟ فما يقوم من الناس إلا رجل واحد فيقول: أنا. فيقول: ائت السدان يعني الخازن فقل له: إن المهدي يأمرك أن تعطيني مالا فيقول له: احث، حتى إذا جعله في حجره وأبرزه ندم فيقول: كنت أجشع أمة محمد نفسا أعجز عما وسعهم فيرده ولا يقبل منه فيقال له: إنا لا نأخذ شيئا أعطينا).

مسؤولية تبني المشروع المعرفي للمهدوية

قد يُطرح تساؤل: من الذي يتبنى نشر رسالة أهل البيت (عليهم السلام) والأحاديث والروايات الواردة عن الإمام المهدي؟ وهل المقصود بالجهة المتبنية هنا المؤسسة الدينية أو رجال الدين فقط؟

الإجابة هي: الكل مسؤول. أنتم مسؤولون، وكذلك وسائل الإعلام يقع على عاتقها دور كبير.

إن من يجب أن يتبنى نشر هذه الرسالة هو كل من يؤمن برسالة السماء، ومبادئ الأنبياء، ووصايا الأئمة (عليهم السلام)؛ فهذا المشروع لا بد من تبنيه بجدية لأنه مشروع السماء، ومشروع الأنبياء هو في جوهره مشروع معرفي عظيم وكبير، وليس مجرد طقوس أو سلوكيات شكلية؛ لذا لا بد من توضيح معالم هذا المشروع.

عصر الغيبة وفتنة الاختلاف

لقد تحدثنا سابقاً عن هذا الأمر، ولكن الملاحظ اليوم أن مجتمعاتنا تعيش فتنة كبيرة في عصر الغيبة؛ ونظراً لغياب الإمام عجل الله فرجه، فقد أوضحنا أن هذه الفتنة هي في حقيقتها امتحان واختبار.

وفي هذا السياق، ورد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) يخاطب فيه الإمام علياً (عليه السلام) قائلاً: (إن الله قد كتب عليك جهاد المفتونين كما كتب عليَّ جهاد المشركين. فقلت: يا رسول الله فبأي المنازل أنزل هؤلاء المفتونين من بعدك، أبمنزلة فتنة أم بمنزلة ردة؟ فقال: بمنزلة فتنة يعمهون فيها إلى أن يدركهم العدل، فقلت: يا رسول الله، أيدركهم العدل منا أم من غيرنا؟ قال: بل منا، بنا فتح وبنا يختم، وبنا ألَّفَ الله بين القلوب بعد الشرك، وبنا يؤلف بين القلوب بعد الفتنة. فقلت: الحمد لله على ما وهب لنا من فضله).

جدلية الوعي ومسؤولية الجمهور

لا شك أن التوعية مطلوبة ومهمة، ولكن لا بد من استحضار القاعدة التي تقول: ((فاعلية الفاعل تحتاج إلى قابلية القابل). فحتى لو كانت جهة ما تؤدي دوراً توعوياً ممتازاً، فإن هذا الجهد يحتاج في المقابل إلى عقل يستقبل، وقلب منفتح ليتلقى هذا الوعي.

لذا، نحن نوجه خطابنا للناس اليوم: لماذا تنساقون وراء الغث والخبيث، وتتبعون مصادر الشر؟ عليكم أن تتجهوا صوب الخير، وتتعلموا القيم النبيلة والأخلاق الحسنة.

نحن اليوم نشجع على التغيير؛ فالمسألة متبادلة: إذا تغير الإعلام، تغيرت ذائقة الناس، وإذا تغير الناس، تغير الإعلام أيضاً. فبالنتيجة، قد يحتج الإعلام بمبدأ العرض والطلب، قائلاً: إن الجمهور هو من يريد هذا النوع من المحتوى. ومن هنا، يتحمل الناس أيضاً مسؤولية ما يُعرض عليهم.

التلوث المعلوماتي وأثره على النفس

هل يُعقل أن يبحث الإنسان بنفسه عن الأمور الملوثة والشوائب؟ إن فعل ذلك، فإنه يلوث إنسانيته. وهنا تكمن أهمية الوعي بحقيقة هذه القضية، وهو ما يعيدنا إلى الحديث عن الطهارة؛ طهارة الذات، والقلب، والنفس.

فالإنسان الذي يتلقى معلومات وأفكاراً سيئة، يسمح لها بالتسلل إلى باطنه لتستقر في قلبه وتلوث نفسه، مما يورثه أمراضاً نفسية وحالة من الكآبة والسوداوية.

الاستضاءة بنور الإمام وخطورة الإعلام المدمر

خلاصة القول؛ إن قيم أهل البيت (عليهم السلام) هي القيم التي يُستضاء بنورها، مصداقاً لقول أمير المؤمنين (عليه السلام). فالمقتدي بإمامه والمستضيء بنوره، يمتلئ قلبه بالنور والشعور بالوجود الحقيقي.

أمَّا من لا يستضيء بنور إمامه، فإنه يقع في ظلمات العدم والعدمية؛ فلا يعود يشعر بجدوى الحياة أو فائدتها؛ في حين أن الحياة الحقيقية تقوم على الأمل، والحركة، والتفاؤل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى