الحكومة تمنح الامتيازات للمسؤولين وتمارس التقشف على المواطنين

في ظل أزمة البلاد الاقتصادية
المراقب العراقي / أحمد سعدون..
في ظل الأزمة الاقتصادية التي يمر بها البلد، وما رافقها من ضغوط معيشية متزايدة على المواطن، تفجَّرَ جدلٌ واسع عقب تسريبات نيابية تتعلق بمنح قطع أراضٍ سكنية لوزراء ومديرين عامين، ضمن حكومة تصريف الاعمال، في وقت تعاني فيه شرائح واسعة من المجتمع أزمة سكن خانقة وارتفاعا حادا في أسعار الأراضي والوحدات السكنية، وقد أثارت هذه التسريبات موجة استياء شعبي، أعادت إلى الواجهة أسئلة قديمة متجددة حول العدالة في توزيع الموارد، وحدود الصلاحيات الحكومية، وأولويات الإنفاق وإدارة أصول الدولة.
وتشير المعلومات المُسرَّبة إلى أن ” قطع الأراضي الممنوحة تقع في مناطق ذات قيمة عقارية مرتفعة داخل العاصمة ، تتراوح مساحتها ما بين 300 متر الى 600 متر، وهو ما اعتبره مراقبون امتيازاً غير مبرر، خصوصاً في ظل سياسات التقشف التي يتحملها المواطن وحده، وتراجع قدرته على تلبية أبسط متطلبات السكن الكريم، مؤكدين أن مثل هذه الإجراءات، حتى وإن جرى تبريرها بسياقات إدارية سابقة، تعمق الفجوة بين السلطة والمجتمع، وتضعف الثقة بالإصلاحات التي يجري الترويج لها”.
والمفارقة أن” الجهات الرسمية أكدت هذه المعلومات وبررت أن إجراءات تخصيص الأراضي تخضع لضوابط قانونية وتعليمات نافذة، وأنها ممارسة إدارية معمول بها منذ سنوات طويلة ولم تقتصر على حكومة بعينها، غير أن هذا التوضيح لم ينجح في امتصاص الغضب الشعبي، إذ ينظر كثيرون إلى المسألة من زاوية اقتصادية وأخلاقية، لا من منظور إداري بحت، معتبرين أن التمسك بالسياقات السابقة لا يبرر الاستمرار في سياسات باتت مرفوضة اجتماعياً.”
اقتصادياً، يطرح الجدل سؤالاً أساسياً حول جدوى توزيع هذه الأراضي كامتيازات فردية، في وقت يمكن تحويلها إلى مشاريع استثمارية تخدم المصلحة العامة، فالأراضي الواقعة داخل المدن الكبرى تمثل مورداً مهماً يمكن استثماره في إنشاء مجمعات سكنية منخفضة الكلفة، أو مشاريع إنتاجية وتجارية تدر إيرادات مستدامة للخزينة العامة، وتوفر فرص عمل، وتسهم بتخفيف أزمة السكن بدل تعميقها.
وحول هذا الموضوع بين الخبير الاقتصادي د. فالح الزبيدي في حديث لـ”المراقب العراقي “، أن” اعتماد سياسة استثمار الأراضي بدلاً من منحها، ينسجم مع متطلبات المرحلة الحالية، ويعكس توجهاً أكثر عدالة في إدارة المال العام، لاسيما في ظل تراجع الموارد، وازدياد الاعتماد على إجراءات تمسّ حياة المواطن اليومية، كما أن مثل هذا التوجه من شأنه أن يعزز الثقة بين الدولة والمجتمع، ويؤسس لعلاقة تقوم على الشفافية وتقاسم الأعباء بدل تكريس الامتيازات.”
وأضاف أن” الجدل الدائر حول منح أراضٍ سكنية لمسؤولين في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة يعكس خللاً في طريقة إدارة أصول الدولة، ولا ينسجم مع واقع التقشف الذي يعيشه المواطن، مؤكداً أن أي سياسة اقتصادية ناجحة يجب أن تبدأ من ترشيد الامتيازات العليا قبل تحميل المجتمع كلفة الأزمات، لأن العدالة في توزيع الموارد تُعدّ حجر الأساس للاستقرار الاقتصادي والاجتماعي”.
ولفت إلى أن “الأراضي الحكومية، ولاسيما الواقعة داخل المدن الكبرى، تمثل ثروة وطنية يمكن أن تتحول إلى رافد اقتصادي مهم إذا ما اُديرت وفق منطق الاستثمار لا التوزيع، فبدلاً من منحها كامتيازات فردية، كان بالإمكان توظيفها في مشاريع سكنية منخفضة الكلفة، أو مجمعات تجارية وخدمية تدر إيرادات مستديمة، وتوفر فرص عمل، وتخفف الضغط عن الموازنة العامة”.
وبين أنه “بإمكان هذه الأراضي أن تتحول ايضاً الى مساحات خضراء وفق التصميم العمراني لتكون متنفساً للمدن المكتظة بالسكان لتقلل الاحتباس الحراري والغبار، الذي تتعرض له المدن العراقية باستمرار” .
ونتيجة هذا الاحتقان المتصاعد، صار لزاماً إجراء مراجعة شاملة لسياسات إدارة أصول الدولة، بما يضمن توجيهها نحو الاستثمار والتنمية، وترسيخ مبدأ أن ثروات البلاد يجب أن تكون أداة لخدمة المجتمع بأكمله، لا عبئاً إضافياً يُعمق الشعور بعدم العدالة.



