كرتنا.. مستقبل مقلق

بقلم/ رعد العراقي..
لا يحتاج مستقبل الكرة العراقية إلى كثير من القراءة كي ندرك حجم القلق الذي يحيط به، فالأرقام والنتائج وحدها كفيلة بقرع ناقوس الخطر.
منتخبات الفئات العمرية، التي كانت يومًا ما مصنع النجوم وواجهة الإنجازات، باتت اليوم عاجزة عن مجاراة المنافسين أو حتى تثبيت حضور مقبول في البطولات القارية والعربية، ما يطرح سؤالاً مصيريًا: من أين سيأتي لاعبو المنتخب الوطني في السنوات المقبلة؟.
التراجع الحالي لا يمكن التعامل معه بوصفه مرحلة عابرة أو سوء توفيق، لأن استمراريته تؤكّد وجود خلل عميق في بنية العمل الكروي، فبينما نراوح نحن في المكان نفسه، تمضي منتخبات آسيوية مثل فيتنام وتايلند والصين والهند بخطوات واثقة، مستثمرة في القاعدة، ومبنية على رؤية واضحة جعلت منتخباتها العمرية تنافس بقوة وتنتج خامات مرشحة لفرض نفسها مستقبلاً في البطولات القارية.
المفارقة أن الكرة العراقية تمتلك إرثًا غنيًا في هذا المجال، ألقاب عربية وقارية، وتأهلات تأريخية إلى كأس العالم للناشئين والشباب، وهي شواهد تؤكد، أن المشكلة ليست في اللاعب العراقي، بل في طريقة صناعته وإعداده. فكيف انتقلنا من مرحلة الريادة إلى مرحلة العجز عن تخطّي الأدوار التمهيدية؟.
الخلل الأول يبدأ من آلية اختيار الكوادر التدريبية، التي لا تزال تخضع للاجتهاد والمزاج والعلاقات، بدل أن تكون نتاج عمل مؤسّساتي تشرف عليه لجان فنية متخصّصة. التعامل مع الفئات العمرية ليست مهمة عابرة، بل مشروعا طويل الأمد يحتاج إلى مدرّبين يمتلكون فكر البناء لا منطق النتائج السريعة، ويؤمنون بصناعة اللاعب قبل البحث عن الفوز.
أما الخلل الثاني، فيكمن في غياب التخطيط المرحلي، فلا يوجد تدرج واضح أو انسجام بين منتخبات الأشبال والناشئين والشباب والأولمبي. اللاعب ينتقل من مدرسة إلى أخرى، ومن فكر إلى نقيضه، دون أن يُمنح الوقت الكافي للاستقرار أو التطوّر، ما ينعكس ارتباكًا في الأداء وفقدانًا للهوية الفنية.
ويكتمل المشهد بغياب أسلوب لعب موحد يشكّل هوية للكرة العراقية. فتغيير المدربين وتنوّع مدارسهم دون رابط فني جامع، خلق فجوة معرفية لدى اللاعب، وأفقد المنتخبات العمرية قدرتها على التطوّر المتراكم. ولم يقابل ذلك وجود نظام تقييم ومتابعة حقيقي للمشاركات والمباريات الإعدادية، أو خطط لمعالجة الأخطاء قبل فوات الأوان.
باختصار.. إن إنقاذ المستقبل لا يحتاج إلى شعارات، بل إلى قرار شجاع من اتحاد الكرة بإعادة ترتيب الأولويات، والاستفادة من تجارب ناجحة مثل التجربة المغربية، التي أثبتت أن التخطيط والاستثمار في القاعدة قادران على صناعة منتخبات تنافس عالميًا.
الكرة العراقية بحاجة اليوم إلى مشروع وطني لبناء الأجيال، لأن تجاهل الخطر لن يؤجّله، بل سيجعله أكثر قسوة.



