اخر الأخبارثقافية

النحاتون يحوّلون الطين الى ذاكرة حيّة ذات خطاب حضاري متجدد

في معرضهم السنوي

المراقب العراقي/ اميرة ناجي..

في فضاءٍ ثقافيّ يتجاوز حدود العرض إلى عمق الدلالة، أقامت جمعية الفنانين التشكيليين العراقيين – المركز العام في بغداد -، معرضها السنوي لفنّ النحت العراقي باعتباره حدثًا جماليًا ومعرفيًا، يؤكّد حضور النحت العراقي كخطاب حضاريّ متجدد لا ينفصل عن تأريخه العريق ولا يتقوقع داخل معاصرةٍ منزوعة الجذور.

جاء المعرض بمشاركة راقية ومتماسكة لعددٍ من أبرز فناني النحت العراقي الذين قدّموا أعمالًا كشفت عن وعيٍ عميق بالعلاقة الجدلية بين الكتلة والفراغ بين الصلابة الفيزيائية والهشاشة الشعورية وبين المادة عنصرًا تقنيًا والفكرة جوهرًا فلسفيًا، لقد بدا واضحًا، أن النحت هنا لا يُقدَّم كصيغة شكلية بل كفعل تفكير بصري يعيد مساءلة الإنسان والهوية والذاكرة والوجود.

تنوعت الأعمال المعروضة في أساليبها ومقارباتها الجمالية ما بين نزعاتٍ تجريدية اختزلت الشكل لصالح الفكرة وأخرى تعبيرية حافظت على الأثر الإنساني في الجسد والملامح وثالثة انفتحت على التجريب المعاصر في توظيف الخامات والتقنيات هذا التنوع لم يكن تشتتًا بل انسجامًا دالًا على ثراء التجربة النحتية العراقية وقدرتها على احتضان الاختلاف ضمن وحدة حسّية وفكرية واحدة

على المستوى الأكاديمي، يمكن قراءة المعرض مختبرًا بصريًا يختبر إمكانات المادة وقدرتها على التحول من خامة صامتة إلى خطاب ناطق، فالبرونز والحجر والخشب والمعادن المختلفة، لم تكن مجرد وسائل تنفيذ بل تحوّلت إلى حوامل للمعنى تنطق بتأريخها وتقاوم النسيان، وتؤكد أن النحت العراقي مازال وفيًا لوظيفته الأولى تثبيت الذاكرة في هيأةٍ ملموسة.

وقد أضفى العزف الموسيقي الذي تخلل المعرض، بعدًا جماليًا إضافيًا حيث تلاقى الصوت مع الشكل والزمن مع الكتلة في لحظةٍ نادرة من الانسجام الحسي لم يكن العزف عنصرًا مكمّلًا بل كان شريكًا في إنتاج المعنى يعزّز حالة التأمل ويمنح المتلقي فرصةً لقراءة الأعمال لا بعينه فقط بل بوجدانه أيضًا في تجربةٍ تلامس مفهوم الفن الكلي حيث تتداخل الفنون لتشكّل خطابًا واحدًا.

إن ما ميّز هذا المعرض إلى جانب مستواه الفني الرفيع هو الروح التي أحاطت به روح المحبة والألفة والكرم الثقافي لقد بدا المعرض وكأنه احتفال جماعي بالفن وبالإنسان وبالقدرة على الاجتماع حول الجمال، رغم كل التحولات والتحديات كان فضاء العرض مساحةً للحوار وللتقاطع الإنساني ولتأكيد أن الفن مازال أحد أنبل أشكال التواصل وأكثرها صدقًا.

يمكن القول، إن المعرض السنوي لفن النحت العراقي لم يكن مجرد فعالية فنية عابرة بل كان بيانًا جماليًا يؤكد، أن النحت العراقي حاضر متجذر وقادر على تجديد لغته دون أن يفقد هويته إنه معرض يعلن أن الفن في جوهره فعل حبّ، وأن الكتلة حين تُصاغ بوعيٍ إنساني تصبح رسالة وذاكرة ووعدًا بالمستقبل.

وشكرًا لكل من أسهم في إنجاز هذا الحدث تنظيمًا ومشاركةً وحضورًا، ليبقى الفن عنوانًا للألفة ومرآةً لكرامة الروح العراقية ولا يمكن الحديث عن نجاح هذا المعرض وما اتّسم به من رصانة تنظيمية ودفء إنساني دون التوقّف عند الدور المحوري للأستاذ الفنان سعد العاني رئيس جمعية الفنانين التشكيليين العراقيين الذي تجلّى حضوره إداريًا وفنانًا يحمل همّ المشهد التشكيلي بروح الأبوة والمسؤولية. فقد مثّل كرمه الفني وصبره وتحمّله لتحديات الواقع الثقافي والتنظيمي ضمانة حقيقية لخروج المعرض بأفضل صورة ممكنة متحديًا الصعاب بإيمان عميق بأن الفن فعل مقاومة وجمال في آنٍ واحد. كما لا يسعنا إلا الإشادة بجهود أعضاء الهيأة الإدارية كافة الذين أدّوا واجبهم المهني والإنساني بروح الفريق الواحد فكانوا سندًا للفنانين المشاركين ومرحبين بالحضور مساهمين في خلق بيئة ثقافية راقية تؤكد، أن العمل الجماعي حين يقترن بالإخلاص يتحوّل إلى إنجازٍ مشترك يليق بتأريخ الفن العراقي ومكانته.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى