اخر الأخبارالنسخة الرقميةتقارير خاصةسلايدر

موازنة 2026 أمام تحديات أبواب الصرف والعجز المتفاقم

في ظل تراجع أسعار النفط عالمياً


المراقب العراقي/ أحمد سعدون..
تضع التقلبات المستمرة في أسعار النفط ، الاقتصاد العراقي أمام اختبار صعب، في وقت ما زالت فيه الموازنة العامة تعتمد بشكل شبه كامل على العائدات النفطية بوصفها المورد الأساس لتمويل الإنفاق الحكومي، ومع هبوط الأسعار في فترات متكررة إلى حدود 60 دولاراً للبرميل، تتقلص الإيرادات بشكل حاد، إذ إن كل انخفاض بمقدار عشرة دولارات يعني نظرياً فقدان ما يقارب 10 إلى 12 تريليون دينار سنوياً من موارد الدولة وفق ما مثبت حسب تسعيرة الموازنة الثلاثية على 70 دولارا للبرميل الواحد ، إذا ما بقيت مستويات التصدير على حالها.
وتعكس هذه الأرقام هشاشة الوضع المالي وتكشف حجم المخاطر التي قد تواجهها البلاد خلال السنة الحالية.
مراقبون للشأن الاقتصادي أكدوا أن استمرار هذا المنحنى السعري المتراجع، بالتزامن مع بقاء سقوف الإنفاق الحالية من دون مراجعة جدية، يفتح الباب أمام عجز فعلي مرشح للاتساع في موازنة عام 2026 ليصل إلى عشرات التريليونات من الدنانير، ويزداد القلق في ظل اعتماد الدولة على الإنفاق التشغيلي المرتفع، ولا سيما الرواتب والدعم والخدمات الأساسية، وهي التزامات يصعب تقليصها سريعاً دون أن تترك آثاراً اجتماعية واقتصادية مباشرة على حياة المواطنين.

ويرتبط هذا الواقع حسب رأي المراقبين بعوامل خارجية تتعلق بتقلبات السوق العالمية، وتباطؤ الطلب، والتوازنات الجيوسياسية، إضافة إلى سياسات الإنتاج داخل منظمة أوبك وخارجها، إلا أن المشكلة في الحالة العراقية تتجاوز هذه العوامل، لتلامس بنية الاقتصاد نفسه، الذي لم ينجح حتى الآن في بناء بدائل حقيقية تقلل من الاعتماد على النفط، فغياب التنويع الاقتصادي يجعل أي صدمة سعرية تتحول فوراً إلى أزمة مالية داخلية، ويحد من قدرة الدولة على المناورة أو امتصاص الخسائر.
وفي ذات السياق، أكد الخبير الاقتصادي عبد الحسن الشمري في حديث لـ”المراقب العراقي ” ،أن “استمرار إدارة الحكومة بذات السياسة المالية ووفق الآليات التقليدية سيضاعف من حجم المخاطر، مبيناً أن الحل لا يكمُنُ في إجراءات مؤقتة أو ترقيعية، بل في تبني إصلاحات هيكلية شاملة تعيد رسم أولويات الإنفاق وتفتح أبواباً جديدة للإيرادات غير النفطية، بما يخفف الضغط عن الخزينة العامة ويمنح الاقتصاد قدرة أكبر على الصمود”.
وأضاف الشمري أنه ” مع تضاؤل الإيرادات، تبرز خيارات صعبة أمام الحكومة، من بينها اللجوء إلى الاقتراض الداخلي أو الخارجي، أو تشديد السياسات الضريبية، وهي خيارات تحمل في طياتها كلفاً إضافية قد يتحملها المواطن بشكل مباشر مثل ارتفاع الأسعار، وتراجع القدرة الشرائية، واحتمالات تقليص أوجه الدعم عن بعض الوزارات التي ترتبط بشكل مباشر مع المواطن، مؤكدا أن هذه السيناريوهات محتملة إذا ما استمر العجز في الاتساع من دون معالجات حقيقية”.
وتزداد خطورة المشهد مع الحديث عن ارتفاع الدَّين الداخلي وتراجع المرونة المالية للدولة، ما يضعف قدرتها على مواجهة أي طارئ اقتصادي أو اجتماعي، وفي ظل هذا الواقع، تصبح الحاجة ملحة لإعادة النظر في هيكل الموازنة، وتوجيه الإنفاق نحو القطاعات المنتجة، مثل الزراعة والصناعة، وتحفيز الاستثمار المحلي والأجنبي، ما يخلق فرص عمل جديدة ويخفف العبء عن القطاع العام.
ويرى خبراء الاقتصاد، أن ” المرحلة المقبلة تتطلب قرارات جريئة تتجاوز الحسابات السياسية الضيقة، فاستمرار الاعتماد على النفط كمصدر شبه وحيد للإيرادات لم يعد خياراً آمناً في عالم تتغير فيه معادلات الطاقة بسرعة، ومع دخول عام 2026، يبدو العراق أمام مفترق طرق حاسم، إما الشروع بإصلاحات اقتصادية مهمة وإعادة تبويب الصرف وفق مبدأ الأهم ثم المهم ، أو البقاء في دائرة العجز المتصاعد وما يحمله من تداعيات ثقيلة على الدولة والمجتمع”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى