اراء

رؤية استشرافية لمستقبل قطاع غزة في العام 2026

بقلم: أحمد عبد الرحمن..

فيما ينتظر معظم دول العالم عاماً جديداً زاخراً بالأمن والسلام والرخاء، وفي الوقت الذي يخطّط الكثيرون من سكّانه على اختلاف مشاربهم وميولهم السياسية والدينية والاجتماعية لمستقبل أولادهم وأحفادهم بمزيد من الأمل والثقة، ينظر سكّان قطاع غزة المنكوب بفعل حرب الإبادة الجماعية التي ارتكبها بحقّه العدو “الإسرائيلي” إلى العام 2026 بكثير من الخوف والترقّب، الذي لا يخلو في بعض الأحيان من بعض الأمل والتفاؤل، إذ إن ما عايشوه طوال عامين كاملين من العدوان “الإسرائيلي” الغاشم، وما تبع ذلك من خروقات واضحة وتجاوزات فاضحة لاتفاق وقف إطلاق النار الذي يقترب من إتمام شهره الثالث، جعلهم يقفون في المنطقة الرمادية بين الأمل واليأس، وبين التشاؤم والتفاؤل، وبين الثقة فيما هو قادم والخوف منه، لا سيّما مع انخفاض مستوى التوقّعات بانفراجة قريبة تغيّر الحال، وتصلح جزءاً، ولو يسيراً، مما دمّره وخرّبه الاحتلال بفعل عدوانه الهمجي والبربري.

سنحاول فيما يلي الإشارة إلى 4 ملفات أساسية من المأمول أن تشهد حراكاً في العام الجديد، وهي ملفات تعني بالأساس سكّان غزة قبل غيرهم، لكونهم المتأثّرين المباشرين بها، وإن كان بعض تداعياتها يمكن أن يصل إلى جغرافيا أخرى في المنطقة والإقليم، مع الإشارة إلى أن هذه الملفات ليست جديدة ولا حديثة العهد، إنما هي امتداد لتلك التي انتظرها الفلسطينيون في غزة خلال أشهر العدوان الماضية، وإن كان البعض منها قد شهد حراكاً نسبياً، إلا أنه لم يبلغ نقطة الحسم حتى يومنا هذا.

أولاً /استمرار وقف إطلاق النار

منذ التوصّل إلى اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة في العاشر من تشرين الأول من العام المنصرم، والذي جاء ضمن ما سُمّي بخطة الرئيس “ترامب” للسلام، لم تتوقف الخروقات الإسرائيلية، بل ارتفعت وتيرتها خلال الأسابيع الثلاثة الماضية، ولا سيّما على صعيد الزيادة الملحوظة في عمليات النسف والتدمير في المناطق الواقعة ضمن نطاق “الخط الأصفر”، أو في تلك القريبة منه، إذ زاد عدد المنازل التي دُمّرت، ووصل إلى أكثر من 2200 منزل، بحسب إحصائية شبه رسمية.

في العام الجديد، لا يوجد الكثير من الآمال حول حدوث تغيير جذري في هذا المشهد المعقّد رغم تصريحات ترامب الأخيرة، وإن كان البعض يعتقد أن الدخول في المرحلة الثانية من اتفاق التهدئة يمكن أن يأتي بهذا الجديد، غير أن كل المعطيات على الأرض، سواء تلك المتعلّقة بتصريحات قادة الاحتلال، والتي يشير بعضها صراحة إلى رغبة في عدم الانسحاب من أراضي القطاع، أو تلك المتعلّقة بربط ذلك بمسألة نزع سلاح المقاومة، إلى جانب ما يقوم به جيش الاحتلال من إجراءات ميدانية، مثل توسيع المواقع العسكرية المنتشرة شرق القطاع وإنشاء أخرى، أو تحريك حدود الخط الأصفر باتجاه الغرب أكثر من مرة، وهو ما يعني اقتطاع مساحات إضافية من أراضي القطاع، كل ذلك يشير إلى وجود نيات إسرائيلية باستمرار الحال على ما هو عليه إلى أجل غير مسمّى إلا في حال حدوث تغيير حقيقي في الموقف الأمريكي، إذ إنه الطرف الوحيد القادر على تشكيل ضغط جدّي على الجانب الإسرائيلي.

ثانياً /نزع سلاح المقاومة

يمكن النظر إلى مسألة نزع سلاح المقاومة بأنها أكثر نقاط اتفاق التهدئة حساسية وتعقيداً، وربما تكون القشّة التي تكسر ظهر هذا الاتفاق، وتدفعه نحو الانهيار. وفي أحسن الأحوال، يمكن أن تجعله يقف عند المرحلة التي يمر بها الآن، وهي مرحلة ضبابية للغاية، ولا تلبّي أدنى متطلبات الشعب الفلسطيني التي دفع من أجلها عشرات آلاف الشهداء، ومثلهم وربما أكثر من الجرحى والمصابين.

ثالثاً/ تشكيل حكومة “التكنوقراط”

على الرغم من اللقاءات والنقاشات التي عُقدت من أجل تشكيل لجنة مؤقتة من “التكنوقراط” تتولّى إدارة شؤون قطاع غزة، فإن كل تلك المحاولات باءت بالفشل، ولم تجد طريقها نحو التنفيذ، بل وتم وضع عراقيل كثيرة من أطراف مختلفة في طريق التوصّل إلى مثل هذا الاتفاق الحيوي والمهم لكل سكّان القطاع.

إحدى أكثر الجهات وضعاً للعراقيل إلى جانب “دولة” الاحتلال هي السلطة الفلسطينية، وفي المقدمة منها رئيسها محمود عباس، الذي ما زال يعتقد أن بإمكانه الانتقام من حركة حماس رداً على طردها لسلطته من قطاع غزة في العام 2007، إذ ما زال هاجس الانتقام، كما يبدو، يسيطر على عقل رئيس السلطة، الذي لا يكاد يترك وسيلة أو أداة إلا ويستخدمها في محاولة الوصول إلى مراده، والأمثلة كثيرة ومتعددة.

رابعاً/ إعادة الإعمار

منذ اليوم الأول لبدء العدوان على قطاع غزة وحتى يومنا هذا، لم تتوقف عمليات الهدم والتدمير التي يقوم بها العدو الصهيوني ضد بيوت الفلسطينيين ومنشآتهم في القطاع، وهي العمليات التي استهدفت أيضاً كل المؤسسات الصحية والتعليمية والإغاثية، وجميع البنى التحتية على اختلاف أشكالها وأنواعها، إذ تجاوزت نسبة الدمار الكلي، بحسب الكثير من الإحصائيات الرسمية، نسبة 80%، فيما أصيبت النسبة المتبقية بأضرار جزئية بليغة.

مسألة إعادة الإعمار لن تكون سهلة على الإطلاق، إذ ترتبط بشكل مباشر بقضايا أخرى من اتفاق التهدئة، مثل تشكيل حكومة “التكنوقراط”، ومسألة نزع السلاح، وقضية فتح المعابر، إضافة إلى قضية توفير الدعم المالي، وهي الأهم، من أجل البدء بهذه العملية المعقّدة، التي يمكن أن تصل تكاليفها بحسب تقديرات أممية إلى ما يزيد على 80 مليار دولار.

على كل حال، وبما أنه ليس من السهل أن نتوقّع أو نستشرف مآلات الأوضاع في العام الجديد، ولا سيّما في ظل هذا العالم المتغيّر والمتقلّب، فإن كل ما أشرنا إليه أعلاه يمكن أن يصبح حقيقة واقعة، ولكنه في المقابل يمكن أن يذهب أدراج الرياح، ففي أيامنا هذه أصبحت التقلّبات أكثر من الثوابت، وباتت المتغيّرات أسرع من تغيّر الليل والنهار، إلا أن الثابت الوحيد الذي لا نشك لحظة واحدة في حدوثه هو أن النصر والغلبة لن يكونا أبداً في مصلحة العدو المجرم، ولا في مصلحة قوى الشر في العالم، حتى لو كانت الأوضاع الحالية تشير إلى غير ذلك، إلا أن سنن التأريخ تخبرنا بأن الانتصار في جولة لا يعني الانتصار في المعركة، وأن النشوة التي يشعر بها محور الشر في هذه الأوقات ستزول قريباً، إذ إن التداعيات الاستراتيجية لـ”طوفان الأقصى” لم تظهر بعد، وهي ما زالت في مرحلة التشكّل والتبلور.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى