مكي حسين .. ناقل الفن العراقي المغلف بالرموز السومرية إلى أوروبا

من أوائل الرافضين للاحتلال الأمريكي
المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…
يُعد النحات مكي حسين واحدا من أبرز الوجوه الفاعلة في المشهد التشكيلي العراقي منذ ستينيات وسبعينيات القرن العشرين ويُعد من جيل الرواد فهو ينتمي إلى ما يُعرف بجماعة الرؤيا الجديدة، مساهماً بتأسيس مصهر بغداد، حيث لعب دوراً مهماً في تطوير تقنيات صب البرونز، جامعاً بين التراث العراقي والرؤية المتسمة بالحداثة وتميزت أعماله بالحوار بين الكتلة والفراغ، وبالاختزال التعبيري الذي يبتعد عن المحاكاة المباشرة للواقع، ويقترب من الجوهر الإنساني والتأريخي ،وهو من أوائل الرافضين للاحتلال الأمريكي للعراق.
ويمكن القول إن مكي حسين هو ناقل الفن العراقي المغلف بالرموز السومرية إلى أوروبا لكونه غادر العراق في العام 1979 إلى ألمانيا، أنجز أعمالاً ونُصُباً في الفضاءات العامة الألمانية، وقد شارك بمعارض دولية في العديد من دول العالم ، مقدماً تجربة نحتية تجمع بين الدقة التقنية والرمزية العميقة، وتعكس ثيمات الاغتراب والانتظار والصمود في وجه الصعوبات الحياتية.
وقال الناقد رحيم يوسف في قراءة نقدية خص به “المراقب العراقي “: إن ” مكي حسين وطوال أكثر من ستين عاما عُرف باستخدامه لمادة البرونز بوصفها مادة للخلود، وبمنحوتاته التي استلهمت الرموز السومرية والآشورية، مع حس حداثي ولذلك بقي محافظا على أسلوبه المتميز عن بقية النحاتين الذين لم يثبوا على أسلوب واحد في إنجاز العمل الفني “.
وأضاف : إن ” الحديث عن تماثيل مكي حسين لن يكون سهل الوصف فهي عبارة عن أجساد لكنها ليست أجسادا بشرية ، بل هي الأجساد المنتزعة من عذابات الضحايا، كما يصفها عادل كامل، وما لا يحتمل من انتهاكات حقوق الإنسان من قبل النظام الدكتاتوري البائد،حيث إن مكي يمسك الإنسان حتى في عزلته،، مانحاً تجربته سمة الأناشيد البصرية التي تحيل المتلقي الى كل ما مر به الانسان العراقي من عذابات الحروب التي مرت على العراق”.
وتابع : إن” مكي حسين منحاز للإنسان ليس العراقي فقط بل في كل البلدان ومنها فلسطين، فهو مرتبط به ، وملتزم بقضاياه لا يحيد عنها، طيلة حياته الفنية، لا يتصدى بشكل مجازي، أو متخيل في جميع منحوتاته بل يثير لدى المتلقي إحساسه بعصر مخترق من الأعماق، ومطعون بأخلاقيته، هذا المنحى يمكن تلمسه في مجموعته النحتية التي كان موضوعها الأول، هو رفض الاحتلال الأمريكي للعراق وهو من أوائل الرافضين له ، نذكر منها على سبيل المثال: قسم الثوار أمام شجرة آدم، انتفاضة مقطوعي الرؤوس، من أجل وحدة الوطن، رعب الحرب، الشهيدة، رفض ومقاومة وغيرها من الأعمال التي أكدت وطنيته وانتماءه للعراق على الرغم من كونه قضى سنوات طويلة في مغتربه الألماني”.
وأشار إلى أن” أعمال مكي حسين لم تكن يوما سهلة المعنى فهي تدَعُنا دائماً في مواجهة عالم لا يحتمل أكثر من ذي قبل لوجود الدول الطامعة بخيرات الدول الإخرى وفيها السياسة هي العامل المشترك انطلاقا من شعوره الانساني تجاه المظلومين”.
وأوضح أن” الفنان الحقيقي الباحث عن المعنى الأصلي للإنسانية يعرف كيف يزيح ما كان يضايق نظرته، ليكتشف ما سيبقى من الإنسان الذي يريده ، لذلك كان حنينه للوطن على درجة من القوة،التي تهبه القدرة لينجح في بحثه، بحث لا يتناول الإنسان وحسب، بل يمتد إلى كل الأشياء، ويبدو لي أن فن مكي يريد اكتشاف هذا الجرح السري عند الكائنات، وحتى الأشياء لكي يضيئها من خلال منحوتاته المليئة بالانتماء للأرض فهي ممزوجة بالرموز السومرية والآشورية التي تميزه عن الاخرين وتعكس ارتباطه بالارض”.
وبين : أن ” منحوتات مكي ليست على مستوى واحد من الوضوح ،لكنها في الوقت نفسه تزرع في نفس المتلقي إحساساً غريباً، إنها تبدو مألوفة تسير في الطريق، إلا أنها في أغوار الزمن الماضي ، لا تكف عن الاقتراب، أو التراجع، وإذا ما حاولنا أن نروضها، ونقترب منها، تبدو أليفة، مفهومة على الرغم من عدم قدرة البعض من المهتمين بالنحت على تفسير بعض أعماله”.
يُذكر أن الموت غيّب النحات العراقي مكي حسين بعد مسيرة فنية طويلة شكلت علامة بارزة في تأريخ النحت العراقي المعاصر عن عمر ناهز 78 عاماً.



