أزمة الجهل بالفكر الديني.. تحليل في المفهوم والنتائج

صباح الصافي..
الجهل آفةٌ في مسيرة الإنسان عبر التَّاريخ، لا تقلُّ خطرًا عن أعنف الأوبئة؛ إذ يتسلَّل إلى العقول فيعطِّل بصيرتها، ويغزو السلوك فيشوّهه، ثمَّ لا يلبث أن يمتدَّ أثره ليمزِّق نسيج العلاقات الفرديَّة والاجتماعيَّة، ويقوّض أسس الوعي والإنسانيَّة.. فالجهل حين يستقرُّ في النَّفس يتحوَّل إلى منظومة من الأحكام المتسرِّعة، والمواقف الانفعاليَّة، واليقينيات الزَّائفة التي تُغلق أبواب الحوار، وتفتح مسارات النزاع والصِّدام.
وقد أولى القرآن الكريم والرَّسول الأعظم محمَّد (صلَّى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام)، اهتمامًا بالغًا بتشخيص هذه الآفة، وكشف جذورها، وبيان آثارها، ثمَّ رسم الطَّريق العمليَّ لعلاجها؛ إدراكًا منهم أنَّ الجهل قوَّة فاعلة إذا لم تُواجَه بالعلم والبصيرة تحوَّلت إلى أصلٍ لكثير من الشُّرور والانحرافات.
أمَّا الجهل اصطلاحًا، فهو: “عدم العلم ممَّن له الاستعداد للعلم والتَّمكُّن منه، فالجمادات والعجماوات لا نسميها جاهلة ولا عالمة، مثل العمى، فإنَّه عدم البصر فيمن شأنه أن يبصر، فلا يسمى الحجر أعمى… والجهل على قسمينِ كما أنَّ العلم على قسمينِ؛ لأنَّه يقابل العلم فيبادله في موارده فتارةً يبادل التَّصور؛ أي يكون في مورده، وأخرى يبادل التَّصديق؛ أي يكون في مورده، فيصح بالمناسبة أن نسمِّي الأوَّل (الجهل التصوري)، والثَّاني (الجهل التَّصديقي).
ثمَّ أنَّهم يقولون، إنَّ الجهل ينقسم إلى قسمين: بسيط ومركب وفي الحقيقة أنَّ الجهل التَّصديقي خاصَّة هو الذي ينقسم إليهما، ولهذا اقتضى أن نقسِّم الجهل إلى تصوري وتصديقي، ونسميهما بهذه التَّسمية، أمَّا الجهل التصوري فلا يكون إلَّا بسيطًا… ولنبيِّن القسمينِ فنقول:
١ـ (الجهل البسيط): أن يجهل الإنسان شيئًا وهو ملتفت إلى جهله، فيعلم أنَّه لا يعلم، كجهلنا بوجود السكان في المريخ، فإنَّا نجهل ذلك، ونعلم بجهلنا فليس لنا إلَّا جهل واحد.
٢ـ (الجهل المركب): أن يجهل شيئًا وهو غير ملتفت إلى أنَّه جاهل به؛ بل يعتقد أنَّه من أهل العلم به، فلا يعلم أنَّه لا يعلم، كأهل الاعتقادات الفاسدة الذين يحسبون أنَّهم عالمون بالحقائق، وهم جاهلون بها في الواقع.
ويسمون هذا مركبًا؛ لأنَّه يتركب من جهلين: الجهل بالواقع والجهل بهذا الجهل. وهو أقبح وأهجن القسمين. ويختص هذا في مورد التَّصديق؛ لأنَّه لا يكون إلَّا مع الاعتقاد.
وإذا تأمَّلنا التَّعريف اللغوي يضعنا أمام المعنى الأوَّلي للجهل باعتباره نقيض العلم، وهو تقابل بسيط في ظاهره؛ لكنَّه يمهِّد لفهم أعمق حين يُستكمل بالتَّعريف الاصطلاحي الذي ينقله من مجرَّد غياب للمعلومة إلى فقدان العلم ممَّن شأنه وقدرته أن يعلم. وبهذا التَّحديد يخرج الجهل من أن يكون صفة لكلِّ موجود، ليصبح صفة إنسانيَّة أخلاقيَّة ومعرفيَّة في آنٍ واحد، ترتبط بالاختيار والقدرة والاستعداد.
والتمييز بين الجهل التصوري والجهل التصديقي يضيف بعدًا مهمًا؛ لأنَّه يكشف أنَّ الجهل ليس درجة واحدة، ولا يظهر دائمًا بالشكل نفسه، فجهل التصور هو فراغ معرفي صريح، يشعر به الإنسان ويعترف به، بينما جهل التصديق يتسلل إلى منطقة الاعتقاد، حيث يظنُّ الإنسان أنَّه يعلم، وهو في الحقيقة أسير وهم المعرفة وهنا تظهر خطورة الجهل المركب؛ لأنَّه جهل متلبِّس بلباس العلم، مغلق على صاحبه باب السؤال والمراجعة، فيتحوَّل إلى مصدر عناد ونزاع بدل أن يكون دافعًا للتعلُّم.
ومن خلال هذا التَّفصيل يتَّضح أنَّ الجهل البسيط، على الرَّغم من نقصه، يحمل في داخله بذرة الخلاص؛ لأنَّه مقرون بالوعي والاعتراف، أمَّا الجهل المركب فهو أصل كثير من الانحرافات الفكريَّة والخلافات الاجتماعيَّة؛ لأنَّه يولّد يقينًا زائفًا يدفع صاحبه إلى الدِّفاع عن الخطأ بوصفه حقًّا، وعن الوهم بوصفه حقيقة.
والاستنتاج الذي يمكن الخروج به أنَّ الجهل في جوهره هو نتيجة طبيعيَّة لترك التعلُّم، والإعراض عن البحث، والتَّقاعس عن الفهم الواعي القائم على السُّؤال والإنصات والمشاهدة والتجربة. وحين يتحوَّل هذا الترك إلى قناعة، ويغلق الإنسان على نفسه أبواب المراجعة، يصبح الجهل عاملًا فاعلًا في النِّزاعات والخلافات؛ فصاحب الجهل المركب لا يختلف مع غيره فحسب، ويصطدم به؛ إذ يظن أنَّ ما يحمله علم، وما عند غيره ضلال. ومن هنا تبدأ أغلب الأزمات: من وهم المعرفة، لا من فقدانها.
المحور الثاني.. مفاسد الجهل
الجهل من أخطر العوامل الكامنة وراء نشوب الاختلافات والنزاعات الفرديَّة والاجتماعيَّة؛ فالإنسان الجاهل يفتقد الرؤية المعرفيَّة التي تنظِّم سلوكه وتضبط مواقفه، فيتحرَّك بدافع الانفعال لا الوعي، وبردود فعل آنية لا بحسابات عقليَّة متزنة. وهذا التحرك العشوائي يجعل علاقته بالآخرين علاقة اصطدام لا تفاعل، ومواجهة لا حوار؛ لأنَّ الجهل لا ينتج فهمًا متبادلًا؛ بل يولِّد سوء ظن، وتفسيرًا خاطئًا للمواقف، وإسقاطًا ذاتيًّا للنوايا، وكلها عناصر خصبة لتفاقم الخلاف وتحوله إلى نزاع مفتوح.
ومن أخطر مظاهر الجهل أنَّه يدفع الإنسان إلى معاداة ما يجهله، كما أشار إلى ذلك أمير المؤمنين (عليه السلام) بقوله: “مَنْ جَهِلَ عِلْماً عَادَاهُ”، فالرواية تعطي قاعدة نفسيَّة واجتماعيَّة عميقة الدلالة؛ إذ تكشف، أنَّ الجهل يتحوَّل إلى موقف عدائي من كلِّ فكرة أو رأي أو شخص لا ينسجم مع أفق الجاهل المحدود. ومن هنا تنشأ كثير من الصراعات الفكريَّة والمذهبيَّة والاجتماعيَّة، لا لأنَّ الحقائق متناقضة في ذاتها؛ بل لأنَّ العقول التي تتعامل معها عاجزة عن استيعابها أو فهم اختلافها.
ويعمِّق الإمام الصَّادق (عليه السلام) هذا التشخيص حين يبيِّن السمات السلوكيَّة الملازمة للجاهل، فيقول: “مِن أخلاقِ الجاهِلِ: الإجابَةُ قَبلَ أنْ يَسمَعَ، والمُعارَضَةُ قَبلَ أنْ يَفْهَمَ، والحُكْمُ بما لا يَعْلَمُ”، فهذه الصفات تمثِّل أنموذجًا عمليًّا لكيفيَّة تحوّل الجهل إلى مولِّد دائم للنزاع؛ إذ إنَّ الإجابة قبل السماع تُلغِي الحوار من أساسه، والمعارضة قبل الفهم تكرّس الخصومة بدل البحث المشترك عن الحقيقة، والحكم بما لا يُعلَم يفتح باب الظلم وسوء التقدير والاتهام الباطل وعندما تتراكم هذه السلوكيات في الفرد أو المجتمع، يصبح الخلاف حالة مزمنة، ويتحوَّل النزاع إلى نمط تعامل يومي، تغذِّيه الجهالة أكثر ممَّا تغذِّيه المصالح أو الاختلافات الواقعيَّة.



