من يهدد حرية التعبير؟

محمد علي جواد تقي..
هو مطلب إنساني عفوي نابع من الفطرة الإلهية وغريزة التعبير عن الذات منذ نعومة الأظفار بطرق مختلفة، تبدأ من الإشارة ثم الكلام تعبيراً عن الحاجات تارة، وفي مرحلة لاحقة عن الأفكار والتصورات والقناعات تارة أخرى، ودائماً قيل إن السلامة النفسية مرهونة بتوفر القدرة على التعبير عما يجول في الخاطر، وما يكنّه القلب من مشاعر، بالمقابل يدين العلماء، الكبت كأحد أبرز أسباب هزيمة الأفراد والمجتمعات أمام التحديات في الحياة.
وبما أن سلطة الدولة، بيدها القدرات الهائلة، من مال وسلاح وشرعية سياسية بمختلف الطرق، فان أكثر أصابع الاتهام موجهة لها في ممارسة الكبت وقمع الحريات، ومنها حرية التعبير، وهذا الزعم المسنود بحقيقة الصراع الدائم بين الحكم ومعارضيه، يغيب دوراً مؤثراً في هذا المضمار من الواقع الاجتماعي الذي تتحرك فيه عوامل تهديد لحرية التعبير، إنما تغيب عن الأنظار الآثار المحسوسة والعميقة لهذا التهديد، بخلاف الآثار الواضحة لقرارات السلطة السياسية بتقييد وسائل الاعلام -مثلاً- أو حظر التجمعات والهيآت، أو فرض رقابة على النشر، وهذا بحد ذاته يثير حفيظة المؤسسات الاجتماعية والثقافية، فتتوحد جهودها في همّ واحد وهدف مشترك لمواجهة تحدي السلطة السياسية.
حرية التعبير حق من الصِغر وحتى الكِبر
إنه حقٌ طبيعي ولكن مشكلته أنه غير مكفول اجتماعياً لأسباب؛ ربما تعود الى التقاليد، أو الى تراكمات نفسية عند الآباء بسبب ظروف الحروب مع الخارج، أو قمع السلطة من الداخل، إلا اللهم تحصل مبادرات من داخل الأسرة، وهي المجتمع المصغّر الذي يربي أفراده على طباع وثقافات مختلفة، والحلقة التربوية الأكبر؛ المدرسة والجامعة، ثم ميادين العمل في كل مكان، وحتى المؤسسات الثقافية، كلها ذات تأثير بالغ على إحياء حرية التعبير أو قتلها.
فالطفل الصغير يتعرض داخل أسرته إلى لجم لمحاولات التعبير عن مشاعره البسيطة، فضلاً عن أفكاره وهمومه، بدعوى عدم أهليته للتكلم بما يتجاوز حدود كيانه الفسيولوجي، وما يتطلبه من طعام ومنام، ثم مستلزمات الدراسة وبعض الاحتياجات اليومية، أما السؤال عن العقيدة والتأريخ، وما فيهما من استفهامات، وأيضا؛ طريقة تعامل الكبار معه، وحتى ترتيب الأثاث، فانه يُعد عن البعض –وليس الكل- نوعاً من “اللغوّة الزائدة”، والتدخل فيما لا يعنيه.
أما في المراكز التعليمية بشكل عام، فان رأي الطالب في أسلوب التدريس، أو طريقة التعامل مع الطلاب، نوعاً من التطاول والتشكيك بقدرة المدرس أو الأستاذ الجامعي على أداء دوره، وفضح جهله وقصوره العلمي والثقافي.
هنا نكون أمام مبدأ “نفّذ ثم ناقش” في المحيط التربوي والتعليمي، فلا مجال للتصحيح، أو الاعتراض، وإن كان صائباً، مما يصيب عملية نمو شخصية الطفل والشاب بحالة من العوق النفسي، يجد أن وجوده غير ذي أهمية لدى الكبار المتنفذين، فضلاً عن الحاجة إلى آرائه وأفكاره.
أما الحلقة الأكثر خطورة في تهديد حرية الرأي والتعبير تتمثل في بعض المؤسسات الثقافية والإعلامية المفترض أنها تكون حلقة الوصل بين سياسات الدولة وهموم ومطالب المجتمع، وان تكون ضميره المتكلم والمعبّر عن أفكاره، لاسيما ما يتعلق بالقضايا المصيرية مثل العدالة، والحرية، والهوية، والعقيدة، فأنها تشكو أحيانا من عجز في استيعاب بعض الأفكار التقويمية والإصلاحية من العاملين لديها، ربما السبب يكون في اعتقادها -اعتقاد المشرفين تحديداً- أنها تمتلك اليقين بالحقانية والصواب في سياساتها وأفكارها، وهذا يضعنا أمام مفارقة محزنة حقاً، بأن نلحظ فقدان المصداقية لدى مؤسسات تدّعي الدفاع عن حرية التعبير والرأي في عالم السياسة، فيما هي تشرّع لنفسها تحديد هذه الحرية في عالم الفكر والثقافة.
بلى؛ ثمة معايير واضحة تحدد صحة أو سقم الفكرة، أبرزها معيار الحق المطابق لفطرة الأنسان، وهو ما جاءت به الرسالات السماوية، والرسالة الخاتمة، متمثلة بالإسلام، بنبيه الأكرم، وكتابها المجيد، والسيرة العملية للمعصومين، عليهم السلام، وقد نبّه الى هذه الحقيقة، أمير المؤمنين “عليه السلام”، لتحديد المسار الفكري الصحيح بأن “أعرف الحق تعرف أهله”. فهو جسّد حرية الرأي في عدم إجبار عدد من الأشخاص مبايعته خليفة وحاكم أعلى للأمة، ولكنه لم يعطِ للبعض الآخر حرية الرأي عندما قرروا إشعال نار الفتنة والحرب لإراقة دماء المسلمين، وهو ما حصل في حرب الجمل.



