في ذكرى حدوثها .. أضواء على غزوة تبوك

تبوك هي أقصى موضع بلغه رسول الله(صلى الله عليه وآله) في غزواته، وهي في طرف الشام من جهة القبلة، وبينها وبين المدينة المشرَّفة اثنتا عشرة مرحلة، وتبعد تبوك عن المدينة سبعمئة كيلو متر، وهي الآن مدينة قرب الحدود السعودية الأردنية، وتبعد عن عَمَّان أربعمئة وخمسين كيلو متراً، وعن الشام نحو ذلك، وقد أقام النبي(صلى الله عليه وآله) في تبوك نحو عشرين يوماً وأرسل إلى هرقل رسالة أو أكثر وتلقى جوابها.
تأريخ الغزوة ومدتها: كانت غزوة تبوك في 3 رجب سنة 9هـ قبل حجة الوداع، وكانت أول غزواته (صلى الله عليه وآله) بدر، وآخرها غزوة تبوك قبيل وفاته(صلى الله عليه وآله)، واستغرقت ثمانين يوماً ولم تقع فيها حرب، لأن الروم انسحبوا من تبوك عندما توجه إليهم، ووقع الأكيدر ملك الدومة في الأسر، فكتب النبي(صلى الله عليه وآله) معه صلحاً.
سبب الغزوة: في السنة التاسعة للهجرة بلغ النبي (صلى الله عليه وآله) أن الدولة الرومية تستعد لغزو البلاد الإسلامية، فاستنفر(صلى الله عليه وآله) المسلمين في المدينة المنورة وخارجها، فاستجاب له المسلمون آنذاك إلا المنافقين ومن أظهر الإسلام خوفاً لا إيماناً، كبعض الذين أسلموا في فتح مكة ممن سمّاهم النبي(صلى الله عليه وآله) الطلقاء، فإنهم تخلفوا عنه(صلى الله عليه وآله)، وكان شعار المسلمين في معركة تبوك (يا أحد يا صمد).
لماذا تخلّف الإمام علي (عليه السلام):
كان النبي (صلى الله عليه وآله) يصطحب المنافقين معه عند خروجه الى الحرب وذلك لإفشال مؤامراتهم ورد كيدهم، ولمّا تخلف المنافقون عن الخروج إلى غزوة تبوك ولّد هذا الشيء عند النبي (صلى الله عليه وآله) الشعور بأن تخلفهم يحمل في طياته خطرا جسيما، لذا اضطر (صلى الله عليه وآله) إلى إبقاء خليفته ووصيه ومن هو بمنزلة هارون من موسى منه في المدينة.
من وحي حديث المنزلة:
من الأمور المهمة التي ارتبطت بغزوة تبوك حديث المنزلة وهو قول النبي(صلى الله عليه وآله) لأمير المؤمنين(عليه السلام)، أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي، وهذا الحديث فيه من الدلالة الواضحة على تنصيب الإمام علي بن أبي طالب(عليه السلام) خليفة ووصيا وقائدا للأمة الإسلامية بعد رحيل النبي(صلى الله عليه وآله)، فدلالته واضحة (بأن لأمير المؤمنين عليه السلام جميع منازل هارون من موسى إلا منزلة النبوة، واستثناء النبوة دليل العموم لجميع المنازل، ومن الواضح: أن أظهر خصوصية كانت بين هارون وموسى هي أخوّته له، وشد أزره، ووجوب طاعته، ووزارته، وشراكته في أمره، وكونه أولى الناس به حياً وميتاً، حسبما أشارت إليه الآية الكريمة: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي* هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي* وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ فلا بد أن يراد بكونه بمنزلته هو هذه الخصوصيات، ولا سيما هاتان الخصوصيتان).
وقد يقول قائل: إن حديث المنزلة خاص بفترة تبوك ولا ربط له بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله). ويمكن الإجابة عن ذلك بأنه إذا كان هذا المعنى المراد من الحديث فهذا يؤدي إلى التناقض في حديثه (صلى الله عليه وآله) وحاشا أن يكون كذلك، فإذا كان يريد هذا المعنى فقط فكان عليه أن يقول (إلا أنه لا نبي معي) ولا يقول (انه لا نبي بعدي)، هذا أولا، وثانيا، نجد أن النبي (صلى الله عليه وآله) استخلف على المدينة عدة من الأشخاص عند خروجه في غزواته كغزوة الفتح وخيبر وبدر وغيرها، فلم يجعل لهم هذه المنزلة التي جعلها للإمام أمير المؤمنين (عليه السلام).



