اراء

أمريكا اللاتينية والولايات المتحدة .. من مبدأ مونرو إلى مادورو

بقلم: مازن النجار..

مبررات وادعاءات كاذبة أو مُضخمة بأن نيكولاس مادورو، رئيس فنزويلا، يُوجّه إرهابًا مرتبطًا بتجارة المخدرات ضد الولايات المتحدة، تُشكّل تلك المبررات ذريعةً مُلائمةً لتدخل أكثر عمقًا ومباشرةً.

وتُمثّل موجة الاستهداف بالقتل خارج القضاء في البحر، وتوجه الاستخبارات المركزية الأميركية لشنّ عمليات سرية داخل فنزويلا، وزيادة الحشد العسكري الأميركي في البحر الكاريبي، وإعادة فتح قاعدة بحرية مُغلقة منذ زمن طويل في بورتوريكو، ونشر حاملة الطائرات الأميركية جيرالد فورد بالمنطقة، تمثل تطورات لافتة لكنها ليست مُفاجئة. هذه الإجراءات ليست سوى أحدث تعبير عن مشروع جيوستراتيجي سعت له واشنطن طويلاً للهيمنة على أميركا اللاتينية تعزيزًا لنفوذها واستدامة أرباح شركاتها العابرة للقارات.

يعود تأريخ هذا المشروع الرسمي لمبدأ مونرو (1823)، حين أعلنت الولايات المتحدة أحاديًا سيادتها على أميركا اللاتينية كمجال نفوذ حصري لها. وإحياء هذا المبدأ اليوم واضح لا لبس فيه، وخطير تمامًا. وكما صرّح وزير الحرب (الدائمة) الأميركي، بيت هيغسيث، مرددًا لغة سياسة تعود لقرنين من الزمان: “نصف العالم الغربي هو جوار أميركا، وسنحميه”. لكن ممن؟!

يقول إريك روس، ناشط ومعلم وباحث في التأريخ الأميركي، إنّ نتائج هذا المبدأ كانت واضحة دائمًا: أرباح طائلة للقلة، وعنف، واضطرابات سياسية، وتفكك اجتماعي، ودمار اقتصادي يلحق بالغالبية. بينما لاقت رغبات واشنطن الإمبريالية في نصف العالم الغربي استجابةً طويلة من حركاتٍ تتحدى الهيمنة الأميركية، لكنها أُجبرت مرارًا على التقهقر كتابع لنظام رأسمالي عالمي مُسخّر لخدمة مصالح جيران “غير طيبين“.

إذًا، ليست مصادفةً أن أميركا اللاتينية، بحلول منتصف سبعينيات القرن الماضي، تحولت لقارة تهيمن عليها أنظمة استبدادية يمينية “فاشية” مدعومة أميركيًا. أصبحت مناطق بأكملها، مثل المخروط الجنوبي لأميركا اللاتينية، مختبرات للقمع، حيث شكلت الأرجنتين وبوليفيا والبرازيل وتشيلي وباراغواي وأوروغواي كتلة طعم عسكرية حاكمة منسقة. وبدعم واشنطن المباشر، تعهدت هذه الأنظمة ما عُرف لاحقًا بعملية “كوندور”، مُؤسسةً شبكة تمارس إرهاب الدولة عابرة للحدود. وكانت عواقبها كارثية: 50 ألف قتيل، وعشرات آلاف “المفقودين”، ومئات الآلاف تعرضوا للتعذيب والسجن بتهمة ما يُسمى “جريمة استبطان ميول يسارية حقيقية أو مُتصورة“.

لفهم مسار واشنطن الحالي بالمنطقة فهمًا كاملاً، يستعرض روس حلقات تأريخية سابقة تدخلت فيها الولايات المتحدة بعنف ضد الديمقراطية، لتشكيل مصائر دول نصف الكرة الأرضية الغربي سياسيًا.

ثمة ثلاث حالات بالغة الأهمية: كوبا، وغواتيمالا، وتشيلي. فهي تُسلط الضوء مجتمعةً على مسار الإمبريالية الأميركية الطويل بأميركا اللاتينية، وتُظهر خلفيات المواجهة الراهنة ومساراتها ومخاطرها.

فرض الحماية على كوبا

كانت كوبا لزمن طويل جوهرة التاج بالنسبة لأطماع الإمبريالية الأميركية. وبحلول عام 1823، كانت النخب السياسية الأميركية تُصوّر أنّ الجزيرة أساسية لمستقبل الولايات المتحدة. فمثلا، الرئيس الأميركي السادس، جون كوينسي آدامز، وصف كوبا التي كانت آنذاك مستعمرة إسبانية، أنها “لا غنى عنها” لمصالح البلاد “السياسية والتجارية”. وأشار بنبرة تنذر بالسوء إلى أنه إذا “فُصلت الجزيرة قسرًا عن ارتباطها غير الطبيعي بإسبانيا، وعجزت عن الاكتفاء الذاتي”، فلن “تتجه إلا نحو اتحاد أميركا الشمالية”. وبالمثل، أكد قبله الرئيس الرابع، توماس جيفرسون، أن امتلاك كوبا هو “بالضبط ما ينقصنا لاستكمال قوتنا كأمة”. وانطلاقاً من هذا المبدأ، حاول الرئيسان بولك وبيرس خلال أربعينيات وخمسينيات القرن التاسع عشر شراء كوبا من إسبانيا، وهي محاولات قوبلت بالرفض دائمًا.

وقد سُنحت الفرصة لتحقيق طموحاتٍ قديمة في كوبا، وتدشين الولايات المتحدة كإمبراطورية ما وراء البحار عقب الحرب الإسبانية الأميركية عام 1898. في ذلك الصراع، تدخّلت واشنطن في الانتفاضات المناهضة للاستعمار من بورتوريكو إلى الفلبين، لا لنصرة التحرر الحقيقي، بل لضمان إخضاع أي “استقلال” لاحق للمصالح الاستراتيجية والاقتصادية الأميركية. نتج عن ذلك نظام سياسي مُصمّم عمدًا لإبقاء كوبا مُرتبطة ارتباطًا وثيقًا بأولويات الولايات المتحدة ونفوذها.

عمليًا، خرجت كوبا من الحرب الأميركية الإسبانية محمية تابعة، لا كدولة ذات سيادة. وسرعان ما تمّ تقنين هذا نموذجا في نصف الأرض الغربي كاملاً في 1904 بـ”ملحق روزفلت” لمبدأ مونرو، مانحًا واشنطن تفويضًا ذاتيًا لفرض النظام هناك.

في كوبا، خدم هذا الترتيب مصالح واشنطن عقودًا مديدة. وبحلول عام 1959، عشية انتصار الثورة الكوبية، كانت الشركات الأميركية تسيطر على 90% من تجارة الجزيرة وخدماتها العامة، و75% من أراضيها الصالحة للزراعة، و40% من صناعة السكر. في الوقت نفسه، ظلت الغالبية العظمى من الكوبيين بلا أرض، محرومين من حقوقهم المدنية غارقين في الفقر.

انتهجت واشنطن كل الوسائل، من غزوات فاشلة مشؤومة إلى الاغتيالات. وهي مؤامرات دفعت بالعالم لحافة محرقة نووية في تشرين الأول 1962. كما فرضت حصارًا اقتصاديًا عقابيًا لخنق اقتصاد الجزيرة، وإجهاض التجربة الاشتراكية، وردع الدول الأخرى عن تحدي الهيمنة الأميركية. أغلقت تلك الجهود العدوانية باب أي اشتباك بنّاء، كان كاسترو منفتحًا عليه سابقا، فاندفعت كوبا بقوة نحو الاتحاد السوفيتي، وتحققت النتيجة التي زعمت واشنطن أنها سعت لتجنبها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى