درونات شاهد الإيرانية.. أحد أسرار مواصلة روسيا عملياتها في أوكرانيا

تُعد الطائرات المسيرة من أهم الأسلحة المستخدمة في الحروب الحديثة، لذلك عكفت الدول المتقدمة عسكرياً على تطوير قدراتها في هذا المجال نظراً لانتشارها السريع، وانخفاض تكلفتها، وقدرتها على حمل حمولات متفجرة، يجعلها خيارًا جذابًا بشكل متزايد للدول التي تسعى إلى إبراز قوتها بشكل غير متكافئ.
وعلى وجه الخصوص، سمح استخدام ما يُسمى بـ”الكاميكازي” أو الذخائر المتسكعة للجيوش بإطلاق موجات من الطائرات المسيرة الصغيرة أحادية الاتجاه لتجاوز الدفاعات الجوية وضرب أهداف بعيدة المدى، وقد أثبتت هذه الطائرات أنها تُغير قواعد اللعبة استراتيجيًا وتكتيكيًا، إذ تُغير ديناميكيات العمل الميداني في مناطق الصراع حول العالم.
وحظيت سلسلة طائرات شاهد الإيرانية، وخاصةً “شاهد-131” و”شاهد-136″، باهتمام واسع. وتُعد طائرة “شاهد-136” (المعروفة في الخدمة الروسية باسم “جيران-2”) جديرة بالملاحظة بشكل خاص: فهي تتميز بهيكل خفيف الوزن مصنوع من مواد مركبة، ويُقدر مداها بـ 2500 كيلومتر.
ويُعتقد أن حمولتها المتفجرة تتراوح بين 20 إلى 40 كيلوغراماً، وهو ما يكفي لإلحاق أضرار جسيمة بالأهداف السهلة مثل البنية التحتية أو مراكز الخدمات اللوجستية أو مواقع توليد الطاقة.
الصاروخ شاهد-131 (أو جيران-1 في الاستخدام الروسي) أصغر حجماً، ويزن رأسه الحربي نحو 15 كيلوغراماً، ومداه أكثر تواضعاً يبلغ نحو 900 كيلومتر.
وتتم برمجة الملاحة مسبقًا إلى حد كبير باستخدام أنظمة GNSS/INS، مما يجعل تشغيل الطائرات بدون طيار سهلًا نسبيًا – واستخدامها.
من أهم مزايا استخدام روسيا لطائرات “شاهد” بدون طيار تكلفتها الواطئة. فبينما قد تصل تكلفة الصواريخ الدقيقة التقليدية إلى مئات الآلاف أو حتى ملايين الدولارات، فإن هذه الذخائر المتنقلة رخيصة نسبيًا (خاصةً عند إنتاجها محليًا أو استيرادها بكميات كبيرة).
وهذا يسمح لروسيا بإطلاق وابل كبير من الصواريخ بشكل مستمر – وهي الاستراتيجية المعروفة باسم “الهجمات المشبعة” – مما يضطر أوكرانيا إلى نشر صواريخ اعتراضية باهظة الثمن للدفاع الجوي أو إنفاق موارد ثمينة للدفاع عن مناطق هدف محتملة متعددة في وقت واحد.
وبموجب اتفاقية نقل التكنولوجيا مع إيران، أنشأت روسيا خطوط إنتاج محلية للطائرات بدون طيار من طراز شاهد.
وفي المنطقة الاقتصادية ألابوجا في تتارستان، ينتج أحد المصانع الآن نسخة مختلفة من طائرة شاهد-136 (جيران-2)، مما يقلل الاعتماد على الواردات ويخفض التكاليف بشكل أكبر.
ويعزز هذا الإنتاج المحلي بشكل كبير قدرة موسكو على دعم العمليات التي تنفذها الطائرات بدون طيار بكثافة دون حدوث اختناقات في الإمدادات.
وتمنح هذه الطائرات المسيرة روسيا مرونة تكتيكية وعملياتية. ويمكن نشرها لإضعاف الدفاعات، واختبار أنظمة الدفاع الجوي للعدو، أو استخدامها كطُعم لجذب النيران.
وعلاوة على ذلك، ونظرا لطبيعتها القابلة للتصرف، تسمح طائرات شاهد بدون طيار لروسيا بالانخراط في ضربات مستمرة ومتكررة دون المخاطرة بطائرات مأهولة عالية القيمة أو أصول صاروخية أكثر تكلفة.
ووفّرت طائرات “شاهد” الإيرانية المُسيّرة لروسيا أداةً جويةً قويةً، وغير مُكلفة، وقابلةً للتطوير، تُعيد تشكيل ساحة المعركة. من خلال الجمع بين المدى البعيد، والحمولة المحدودة، والقدرة على الإنتاج الضخم، تُقدّم هذه الطائرات المُسيّرة لروسيا ميزةً استراتيجيةً: القدرة على نشر القوة باستمرار، وإرهاق دفاعات الخصم اقتصاديًا.
ومع استمرار تطور حرب الطائرات المُسيّرة، قد تُشكّل سلسلة طائرات “شاهد” نموذجًا يُحتذى به في الصراعات المُستقبلية – صراعٌ تُعيد فيه الكمّية، والفعالية من حيث التكلفة، والتشبع التكتيكي، تعريف القوة الجوية في القرن الحادي والعشرين.



