ثقافية

حفر و إكتشاف

1100

غسان عباس محسن

الحرب عاصفة سوداء في صحراء قاحلة نسميها بالحياة، تثور العواصف لأكثر من مرة في سني العمر المبعثرة ما بين دمار وآخر، لا احد يدخل العاصفة ويخرج منها إلا وتكون عدة أشياء قد تشوهت فيه، أشياء قد نضطر لفعل شيء ما للتخلص من بعض آثارها ككل شيء ما او تحطيم شيء ما او حتى البصق على شيء ما.. أما سارة ابنة ألاثني عشر ربيعا فقد كانت تفضل أن تحفر حفرا بيديها الناعمتين في ارض حديقة منزلها لكي تتخلص من بعض تلك الآثار المحفورة في ذاكرتها الكبيرة، لكن ممارستها لتلك العادة التي علمتها لصديقتها الوحيدة وجارتها الحبيبة غصون كان يتم بشيء من السرية والحذر خوفا من بطش يدي أمها أو يدي زوج تلك الأم، فلطالما تعاملا معها بقسوة شديدة كدولتين كبيرتين تتحالفان ظلما ضد دولة صغيرة، فكانت الصغيرة وهي تفعل ذلك تشعر كشعور جندي عارٍ قابع في رحم خندقه الوحيد وهو يمارس هوايته الوحيدة بانتظار القصف المميت من أحدى المدمرات العملاقة.
الحفر دليل على أنها تبحث عن شيء ما تفتقده في حياتها.. كان ذلك بعضا مما قاله والد غصون لوالدتها لما سمعها مرة وهي تشكو من عادتها الغريبة تلك وأثار اهتمامها قول رجل آخر همس به لصاحبه الذي كان يقف قريبا منه “لعلها تبحث عن الحنان الذي اختفى من حياتها منذ اختفاء والدها بشكل مفاجئ قبل مدة”.
درجات الحرارة ترتفع كارتفاع الأحقاد والضغائن في النفوس الهشة، لكن ذلك لم يكن ليثني من عزيمة سارة وإصرارها على مواصلة الحفر، أجبرت شمس الظهيرة الصيفية قطرات عرق جبين الطفلة على التساقط لتبدو أشبه بقطرات مطر حزين، بدا جبينها كقطعة من شمس مسجاة بتراب البحث العبثي، ولعل إصرارها كان نابعا من تأكدها أن والدتها وزوجها كانا يستغلان انشغالها باللعب في الحديقة لينشغلا بسرهما الموصد خلف ذلك الباب، واصلت أكمال حفر تلك الحفرة الكبيرة التي بدت أكبر من أي حفرة كانت قد حفرتها يوما، ربما كانت تريد من ورائها أن تصل إلى أبعد نقطة تستطيع الوصول إليها، فجأة ارتطمت كفها الناعمة بشيء طري، ذعرت عندما تحسست ذلك الشيء واكتشفت بأنه لم يكن سوى كف أدمية، دققت النظر فيها فإذا بها تميز ذلك الخاتم الرخيص الذي كان والدها يضعه في أصبعه طوال الوقت.
نهضت والأفكار المضطربة تعصف برأسها الصغير، فكرت والخوف بدأ يتخذ له مكانا في رأسها الصغير ثم اتخذت طريقها نحو منزل صديقتها غصون لتخبرها بما اكتشفته في حفر هذا اليوم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى