الصديقة الزهراء “ع” المرأة الحُرة التي يقتلها الصمت

بقلم/ محمد علي جواد تقي..
“إيهًا بني قَيلَة! أاُهضَمُ تراثَ أبِيَهْ وأنتم بمرأى منّي ومسمع، ومنتدى ومجمع؟!”
من خطبة الصديقة الزهراء (الفدكية) أمام جموع المسلمين في مسجد رسول الله
في حياة أبيها كانت مكرّمة، مُعظّمة، لا يجرؤ أحد على إغضابها، او المساس بها بأي شكل من الاشكال، فضلاً عن التجرؤ على انتهاك حرمتها، أو نكران حقها في شيء، ولكن من عجائب هذه الأمة انقلابها المفاجئ في ولائها وأخلاقها، ليس على ابنة نبيهم، وإنما على شخص نبيهم الأكرم، خاتم الانبياء والمرسلين، وهو الذي جعلهم برسالته السماوية، وتضحياته الجمّة، أحراراً وسادة، بعد أن كانوا “على شفا حفرة من النار، مذقة الشارب، نهزة الطامع، وقبسة العجلان، وموطئ الاقدام، تشربون الطرق، وتقتاتون القدّ والورق، أذلة خاسئين، تخافون أن يتخطفكم الناس من حولكم، فأنقذكم الله بمحمد”، تقول الصديقة الطاهرة في جانب من خطبتها الفدكية المدوية.
كل هذا وغيره كثير مما أغدقه رسول الله على عامة المسلمين، وتحديداً مجتمع المدينة آنذاك المكون من المهاجرين والانصار، وفيهم الأعيان والفرسان وعِلية القوم، وكلهم يشهد من تكون فاطمة بنت محمد! ولكن؛ {ولمّا يَدخلُ الإيمانُ في قُلوبِكُم}، فـ “الاسلام” الجانب النظري والظاهري من العقيدة، بينما الإيمان هو الجانب العملي الداعي للالتزام بالاحكام والنظم وجعلها ضمن منظومة السلوك اليومي، ثم التضحية من أجلها بكل شيء كما فعل الأخيار والمجاهدون في سبيل الله.
لذا لا نستغرب من جواب البعض على دعوات الصديقة الزهراء لجموع المهاجرين والانصار في المدينة بنصرة أمير المؤمنين، وإعانته على إعادة الحق الى أهله، بأن “لو كان ابن عمّك أسرع الى هذا الأمر لبايعناه، ولكنه أبطاً”! مضمون الرواية، هذا، وهم يتغافلون عما شغل أمير المؤمنين في تلك اللحظات العصيبة عن أمر الخلافة والحكم، وهو تجهيز رسول الله الذي كان مسجّى على الأرض بينما جموع المسلمين ودعاة الصُحبة يتصارعون على الحكم مثل الوحوش حول الفريسة، وقد غاب عن بالهم بيعة الغدير، وكأن شيئاً لم يحصل، ولكن الحقيقة: {رَانَ عَلى قُلوبِهِم }.
وحتى تمزق جدار الصمت الذي شيّده الانقلابيون حول جماهير المسلمين آنذاك، اختارت لنفسها منبراً عالياً يحمل صوتها ورسالتها الى أقصى نقطة، ثم الى الاجيال الى يوم القيامة بالاعتراض على سلبها أرض فدك، ونكران فضل رسول الله على المسلمين جميعاً، فهي لم تُشخصِن القضية وتحصرها في شخص الحاكم الجديد، وإنما أعطتها بعداً اجتماعياً وسياسياً وحضارياً، فكان اختيارها مسجد رسول الله الذي كان يُعد آنذاك قلب المجتمع والدولة الاسلامية، “فقد اختارت الزمان المناسب أيضاً ليكون المسجد غاصاً بالناس على اختلاف طبقاتهم من المهاجرين والانصار، ولعل هذه الخطوة تعد عملاً ذكياً من الصديقة الطاهرة لإلقاء كل الحجج والبراهين على جموع المسلمين من خلال “خطبة ارتجالية، منظمة، منسقة، بعيدة عن الاضطراب في الكلام، ومنزّهة عن المغالطة والمراوغة، والتهريج والتشنيع”، كما يصدر ربما من أي إنسان في موقف الظلامة والتعسف، وقد وُصفت هذه الخطبة بأنها “معجزة خالدة للسيدة فاطمة الزهراء، وآية باهرة تدل على جانب عظيم من الثقافة الدينية التي كانت تتمتع بها”.
إن الصديقة الزهراء على علم بطبيعة نفوس الانقلابيين ذات الجذور الجاهلية، فهم لا يتورعون عن شيء يفعلوه من أجل التسيّد والحكم وأن يكونوا هم من يصدروا الأوامر لا غيرهم، ولذا فإن الخطبة الفدكية جاءت كسهم الى قلب الصمت، وهو الخوف الذي زرعه الانقلابيون في القلوب من خلال سيناريو أرهابي أعدوه لتحشيد أبناء قبيلة من خارج المدينة تسلّ السيوف وتهتف لصالحهم، وتدعو الى البيعة لأبي بكر التي وصفها عمر بن الخطاب بأنها “فلتة وقى الله المسلمين شرّها”!، وهو اعتراف منه بأنها لم تأتِ في ظروف طبيعية.
ولمن يراجع خطبة الصديقة الزهراء –وهو ما نراه من الواجبات على كل مؤمن- يجدها على شكل غارة جوية صاعقة على أوكار الغدر والبغي والانحراف، وقد أبدع أحد العلماء بتحديد رؤوس نقاط الخطبة، بدأت بالسير الهادئ والرصين “بحمد الله والثناء عليه، ثم الاشارة الى التوحيد والنبوة، والتطرق الى إنجازات الرسول، والتحدث عن القرآن الكريم، ثم عن علل الشرائع وفلسفة الاسلام”.
ومن ثمّ حلّقت الصديقة الطاهرة فوق رؤوس الحاضرين “ببيان تخاذلهم تجاه أهل البيت، وتوجيه الخطاب المباشر الى رئيس الدولة حول الإرث من خلال البراهين والأدلة، ثم توجيه العتاب الى الانصار وتوبيخهم”، ثم الهبوط بنجاح بالشكوى الى رسول الله على ما تعرضت له من خذلان المسلمين، وقد استشهدت بأبيات لأحد الشعراء:
قد كان بعدك أنباءٌ وهنبثة
لو كنت شاهدها لم تكثر الخُطبِ
إنا فقدناك فقد الأرض وابلَها
واختلّ قومك فاشهدهم وقد نكبوا
يقول أحد العلماء نقلاً عن كتاب “كشف الغمة” إن ختام هذه الخطبة كان توجه الزهراء نحو مرقد أبيها رسول الله وهي تنشد تلك الأبيات، “فما رأينا أكثر باكٍ ولا باكية من ذلك اليوم”، ولكن ما الفائدة من هذه المشاعر الفارغة المحتوى، والفاقدة للقدرة على صنع الموقف المناسب؟ وقد تكرر نفس الموقف مع ابنتها العقيلة زينب في الكوفة والشام عندما أجهش الناس بالبكاء بعد ما سمعوا كلامها وكلام الامام زين العابدين، فهي دموع عن عاطفة فجائية تضرب النفس البشرية بسبب الشعور بالخسران والضِعة والضياع، وإلا فإن الموقف المطلوب، هو إطلاق صوت الحق بوجه سلطان جائر مهما كلف الثمن، حتى لا تُنتهك حقوق وحرمات سنّها الله –تعالى- كما حصل مع الصديقة الزهراء، عليها السلام.



