صفحات في جمهورية الفقراء رجل الفرح الذي غاب


عبد الكريم إبراهيم
بدشداشته المقلمة وحزامه العسكري الذي طوق خصره النحيل، وشماغه الذي عصب رأسه به، حيث انسالت ضفائره الصغيرة من تحته، كان يطوف شوارع المدينة باحثا عن فرح تجود ايدي اصحابه ببعض الدراهم، حاملا طبله الكبير على اكتافه المتعبة من التجوال بين الازقة، يلاعبه بوساطة عصا معوجة، مع صوت مبحوح لا يكاد يُسمع من كثرة اصوات المتفرجين، وهو ينادي (خايب هوي، خايب هوي)، يطرد الحزن عن العيون، ويبعث في قلوب الناس الفرح الشارد.
صوت كنت آلفه وأنا صغير، وربما لكونه يطرب لحظات الفطرة الطفولية لا تفقه من الأشياء سوى “الحشر مع الناس عيد”، ولكنها ذكريات حاضرة اليوم بكل دقائقها وحلاوتها. احيانا اقترب من هذا الرجل بدافع الفضول، لان صورته كانت غريبة عندي، وغير مألوفة، المهم في الامر انه يُفرح اطفال الحي ويجلب السرور عند مروره في الشارع، وفي الكثير من الاوقات يطارده الاطفال حيث يذهب، وهم ينادون عليه (بروح امك، دكنا شوية)، وقلما يكون كريما معهم.
اتذكر جيداً كيف تركت غدائي وانا اسمع هذا الصوت المختنق وهو يطرق مسامعي (خايب هوي)، قلت ان الطعام يمكن تعويضه، ولكن لحظات السرور والفرح لا يمكن أن ترجع إلى الوراء ولو لدقيقة، حيث اطلقت جارتنا الحاجة رضية (رحمها الله) العنان لزغاريدها وهي تنثر “واهلية” النجاح على رأس ابنها الوحيد (عباس)، الذي لا يكتمل إلا بوجود (أبو الطبل). وهكذا تجمع اغلب اطفال الحي، وهم يرددون خلفه ما يقول، واحيانا يطيل من غنائه عندما يرى فتيات الحي الجميلات، وهن يُطلنَ من فوق السطوح وهو يسمعهن (ياحية يا ام راسين، طبي بجدرهم، وسمّي اعيال البيت، بس لا ابنهم)! ولعل المفردة الاخيرة وقعت كالنار على قلوب العاشقات منهن. وكل ما يهمني من الامر ان يطيل (ابو الطبل) من غنائه حتى تتعب حنجرته.ومن الطرائف التي تروى عن هذا الرجل الذي اختفى اليوم، كما اختفى (ابو المكاوية ) و(ابو بيض اللكلك) و(ابو العالوجة)، انه اجبر في احد الايام على دخول صفوف الحزب المباد، والكل يعرف عنه انه لا يجد القراءة والكتابة، وفوق كل هذا فطرته وصراحته، حيث سأله احد الرفاق عن مؤسس الحزب، فأجاب: (لعنة عليه، قبل قليل كان على طرف لساني )!! فما كان من هذا الرفيق إلا أن قال له: اذهب أنت معفي من جميع الاجتماعات!!
في لحظة من لحظات العمر الشارد، اختفى هذا الرجل، ولا اعرف إلى أين ذهب؟ وضاعت معه ملامحه، وغناؤه الذي لم يورثه الى احد من بعده، ما خلا بعض ذكريات من عاشوا تلك المرحلة.



