غزة تحت الوصاية..من “السلام الأبدي” إلى هندسة الإلغاء

بقلم: إلهامي المليجي..
لم تكن ليلة البيت الأبيض، التي جمعت ترامب ونتنياهو وسط أضواء الكاميرات وابتسامات التباهي، مجرد احتفالية بروتوكولية عابرة.
لقد مثّلت، إعلانًا فجًّا عن صياغة جديدة لمعادلة فلسطين، خصوصًا غزة، فترامب قدّم نفسه كـ”صانع سلام تأريخي”، بينما سعى نتنياهو لتحويل دماء الأبرياء وركام الحرب إلى أوراق تفاوض. غير أن ما خفي خلف الخطاب المزيّف كان أخطر بكثير: غزة منزوعة السيادة، تحت وصاية دولية محكمة، تتحول فيها القضية الفلسطينية إلى ملف إداري تتحكم فيه العواصم الغربية ويُموَّل عربيًا، إننا أمام محاولة لإعادة تعريف “السلام” كغطاء لفرض وصاية تخدم مشروع “إسرائيل الكبرى”، بما يعنيه من إقصاء الفلسطينيين من معادلة تقرير المصير.
وصاية بديلاً عن السيادة
خطة ترامب – نتنياهو، التي سُميت “السلام الأبدي”، لم تكن سوى إعادة إنتاج لسياسات الهيمنة بوجه جديد، فبينما رفع ترامب شعارات انقاذية، عمل نتنياهو على تكريس نتائج الحرب سياسيًا. جوهر الخطة كان واضحًا: نزع سلاح المقاومة وتدمير بنيتها العسكرية تحت إشراف قوى دولية وعربية مكلّفة بتنفيذ المهام، وإقامة مجلس وصاية دولي يدير غزة من الخارج، وتحويل المدنيين والأسرى إلى أوراق تفاوض.
باختصار: لم يكن الأمر إعلان سلام، بل إعادة صياغة للوصاية، حيث يُترك الفلسطينيون بين خيارين مُرّين: قبول ترتيبات تُسقط سيادتهم أو البقاء خارج أية عملية سياسية ذات معنى.
من الإعمار إلى الإدارة الدائمة
خطة توني بلير لم تكتفِ بتقديم حلول إغاثية لقطاعٍ مُنهك؛ بل رسمت بنية مؤسساتية متكاملة تُعرف باسم “السلطة الانتقالية الدولية”.
تضم هذه البنية، مجلسًا دوليًا، ورئيسًا بصلاحيات واسعة، وأمانة تنفيذية، وركائز إشراف في مجالات الإغاثة، الأمن، والاقتصاد، والقانون، وهكذا تحوّلت عملية الإعمار من مسعى إنساني إلى جهاز حكم ذي وظائف دائمة: هيأة استثمار، وآلية مالية لإدارة المنح، وقوة استقرار متعددة الجنسيات لتأمين الحدود والمعابر.
الأخطر، أن الخطة غيّبت الضفة الغربية ولم تذكر الدولة الفلسطينية، وأشارت إلى أن مراكز القرار الأولية ستُستضاف في عمّان أو العريش أو القاهرة في المراحل الأولى، ما يعني إدارة القطاع عن بُعد، أما السلطة الفلسطينية فجرى اختزالها إلى ذراع خدمي يُختار قادته تحت إشراف دولي، في حين تضبط القوة متعددة الجنسيات المشهد الأمني بالتنسيق مع سلطة الاحتلال، بما يمنع أية عودة للفاعلية العسكرية المحلية.
هندسة جيوسياسية قديمة جديدة
حين نقرأ خطة بلير بجانب رؤية الجنرال الإسرائيلي جيورا آيلاند، يتضح الانسجام شبه التام: فصل غزة عن الضفة، وتحويل القطاع إلى كيان إداري وأمني منفصل تحكمه آليات خارجية، وفرض وصاية دولية تحت عناوين “السلام” و”الإعمار”. التمويل الخليجي يتحول هنا من مبادرة حسن نية إلى رافعة استراتيجية، إذ يصبح “المال مقابل الخضوع” قاعدة تُسوّق للاستقرار الإقليمي. وبالمقابل، تُربط مشاريع الإعمار بفتح مساحات أوسع للتطبيع، فيتحول الإعمار إلى جائزة مشروطة بقبول التفكيك السياسي الفلسطيني.
الضمانات لا تحمي
ليس ما يُطرح اليوم جديدًا. التأريخ العربي والفلسطيني مليء بتجارب “الضمانات الدولية” التي انتهت بنكبات، ففي 1982 خرجت المقاومة الفلسطينية من بيروت، بناءً على اتفاق رعته قوى دولية، تعهدت بحماية المدنيين.
لكن انسحاب هذه القوى بعد أسابيع أفسح المجال لمجزرة صبرا وشاتيلا. الدرس صارخ: أي خطة تنزع السلاح وتترك الأمن بأيدي قوى دولية قابلة للانسحاب ليست إصلاحًا بل هي تمهيد لكارثة جديدة.
إرادة الشعوب تتجاوز الوصاية
اليوم تُعاد صياغة المشهد بأسماء جديدة: ترامب، بلير، آيلاند. لكن ما يغيب عن هذه المخططات، أن الشعوب لا تُدار بالوصاية، وأن المقاومة ليست بندقية للإيجار بل هي عهدٌ متجذّر في الذاكرة الجمعية لكل بيت فلسطيني وعربي.
تحويل غزة إلى محمية دولية، وإقصاء الفلسطينيين عن تقرير مصيرهم، لن ينتج سلامًا بل أزمة أعمق، إن الدماء التي سالت في غزة والضفة ولبنان تقول بوضوح: لا سلام يُبنى على الإذعان، ولا مستقبل يُرسم بوصاية أجنبية.
المخاطر والسيناريوهات المستقبلية
رغم أن هذه الخطط تبدو في ظاهرها إنسانية أو إنقاذية، إلا أن تداعياتها تحمل أخطارًا بعيدة المدى، فهي أولًا تفكك البنية السياسية الفلسطينية، وتحوّل القيادة إلى جهاز إداري منزوع القرار.
وثانيًا، تفتح الباب لتدويل دائم للملف بحيث يُدار من عواصم بعيدة، ما يعقّد أي مسار تفاوضي قائم على الحقوق. أما أمنيًا، فإن إحلال قوة متعددة الجنسيات محل المنظومات المحلية يخلق فراغًا قابلًا للانفجار عند أول انسحاب أو تبدّل في الإرادة الدولية. تُضاف إلى ذلك خطورة تسييل حق العودة وتحويله إلى تعويضات ومغادرات توصف بأنها “طوعية”، بما يشرعن تهجيرًا مقنّنًا.
اقتصاديًا، يُعاد تشكيل غزة على أسس تبعية: معابر ومشاريع بإدارة دولية، وخصخصة مقنّعة، واستبعاد لرأس المال الوطني، ما يحوّل الإعمار إلى أداة نفوذ طويلة الأمد. وعلى مستوى السردية، يجري تبييض مشروع الوصاية بخطاب “السلام والإغاثة” وتشويه المقاومة بوصفها معطّلة للاستقرار.
بين وصاية مفروضة وإرادة شعوب
ما بين خطط الانتداب الناعمة وصفقات الإذعان العلنية، يظل صوت المقاومة الحقيقة الوحيدة القادرة على كتابة مستقبل فلسطين والمنطقة. ويبقى السؤال: هل تستوعب العواصم العربية أن ما يُفرض على غزة قد يكون نموذجًا يُعاد إنتاجه لاحقًا في ساحات عربية أخرى؟ هذا الوعي وحده كفيل بتحويل التحذير إلى وقاية، وتثبيت أن لا وصاية ولا تطبيع يمكن أن يُلغِيا إرادة الشعوب.



