من واسط الى الموصل.. الفروة العراقية تقاوم النسيان

تقطع الجلود العراقية، مساراً موسمياً ثابتاً كل عام، يبدأ من وسط وجنوب البلاد، وينتهي في أقصى شمالها، قبل ان تعود مجدداً الى الصحراء، وقد تحولت الى فروات فاخرة تحمي أصحابها من برد الشتاء وتروي قصة حرفة توارثها العراقيون منذ آلاف السنين.
في بلدة بغديدا بسهل نينوى، يشرف العم أكرم ايليا يعقوب على واحدة من أقدم الحرف في المنطقة، وهي صناعة الفروة التقليدية من جلود الخراف، التي يقول السكان انها تعود الى زمن الآشوريين الذين سكنوا هذه الأرض واستخدموا الجلود في حياتهم اليومية ومهامهم العسكرية.
الرحلة تبدأ من مدن مثل واسط والنجف والسماوة، حيث يتم جمع الجلود من المسالخ المحلية، ومن ثم ارسالها الى نينوى، لتخضع لمراحل تصنيع دقيقة تشمل النقع والتخمير والدباغة والتجفيف والخياطة، وهي عملية قد تستغرق أكثر من شهرين.
ويعتمد العم أكرم على جلود الخراف حصراً في صناعته، ويستبعد جلود الماعز التي تستخدم بكثرة في إقليم كردستان، مؤكداً ان جلود الخراف أكثر دفئا وأكثر مرونة في التشكيل، كما ان مظهرها الخارجي يمنح الفروة هيبتها المعروفة.
وبعد اكتمال التصنيع، تعود الفروات الى الجنوب مرة أخرى، حيث تُطلب بكثرة في المناطق الصحراوية والبادية الغربية، خاصة من قبل الرعاة وسكان القرى الحدودية، وتنتشر من أقصى الأنبار والسماوة وحتى ربيعة في الشمال الغربي.
ويقول العم أكرم انه يبيع الفروة الواحدة بأقل من 100 دولار، رغم ارتفاع تكاليف العمل، ويستلم الطلبات غالباً من تجار الجملة على شكل دفعات تضم أكثر من 50 قطعة، مشيرا الى انه يبدأ بالعمل في بداية الصيف، حتى تكون الفروات جاهزة مع دخول الشتاء.
ويضيف انه يحب أيضا صناعة الفروات الجنوبية مثل “الطرحي” و”القوزي”، لكنها تتطلب أموالا أكثر، إذ قد تحتاج الفروة الواحدة الى ما بين 10 و45 جلداً حسب التصميم، لذلك يؤجل تنفيذها الى مواسم أكثر استقراراً.
ورغم ضغوط السوق وتراجع الطلب، يصر العم أكرم على مواصلة العمل وتعليم المهنة لأحفاده، في محاولة لحماية هذا التراث من الاندثار.



