معالم الهداية في زمن التيه

صباح الصافي..
في هذا العصر الذي تضجُّ فيه الأصوات وتتشابك فيه الاتّجاهات، ويجد فيه الكثيرون أنفسهم في حيرةٍ بين معالم الحقِّ وأهواء الباطل، تزداد الحاجة إلى أن نفتح قلوبنا على نسيم الوحي، ونستنير بهدي القرآن الكريم، ونقتبس من أنوار الرَّسول الأعظم محمَّد وآله الطَّاهرين (صلوات الله عليهم أجمعين). إنَّها العودة التي تمنحنا الطَّمأنينة، وتعيد ثقتنا بالقيادة الربَّانيَّة التي ما تركت الإنسان وحيدًا في متاهات الحياة.
فالتيه الذي يعيشه أبناء هذا الزَّمان لا يصدر عن الجهل وحده؛ وإنَّما بسبب الغفلة عن منابع النُّور الإلهي، والإعراض عن أولياء الله (سبحانه) الذين جعلهم مشاعل هداية وسفن نجاة. كما يتجلَّى هذا التَّيه في الابتعاد عن الامتداد العملي لنهجهم في عصر الغيبة، المتمثِّل في المرجعيَّة الرشيدة التي أوكل الله (تعالى) إليها حفظ الشَّريعة وتوجيه الأمَّة.
ومن هنا، يصبح لزامًا أن نعيد ضبط البوصلة على الاتِّجاه الصحيح، فنتمسك بالقرآن العظيم، ونعرف حجج الله (سبحانه) على خلقه، ونضع المعصوم (عليه السلام) في مقامه الذي جعله الله (تبارك وتعالى) فيه، ونوالي من أُمرنا بموالاتهم، ونعادي من أُمرنا بمعاداتهم. وبذلك نتحرر من هيمنة الفكر المستبد، لنصغي إلى صوت الحقيقة بقلوب مطمئنة وعزيمة راسخة.
في هذه الصَّفحة سنبحر معًا في معالم الهداية وسط أمواج التَّيه، فنقف عند الفوارق بين المعصوم وغيره، ونتأمَّل في معنى الموالاة والبراءة، ونكشف أثر الاستبداد الفكري، ونستضيء بمكانة الصَّلاة، ونرتوي من بركة مجالس الذِّكر، ثمَّ نتأمَّل في دور المرجعيَّة بوصفها صوتًا أصيلًا في زمن الضَّوضاء، وراية هدى تلوح في ليل الفتن.
النَّافذة الأولى: القرآنُ الكريم نور لا يُطفأ.
حين تتلاطم أمواج الفوضى الفكريَّة ويعتري الإنسان تيه لا يُحتمل، يظلُّ القرآن الكريم مرسًى آمنًا، ومنبعًا صافيًا لا تعرف مياهه الجفاف. هو ذلك الكتاب الذي لا ينفد نوره، ولا تخفت شعاعاته، نصٌ يتجاوز الزَّمان والمكان، ليحمل بين طيَّاته هديًا لا ينقضي، وطمأنينةً لا تتبدد.
لكن أين ينحني المرء ليستقي من هذا النَّبع؟
كيف يفتح أبواب فهمه التي لا حدود لها، من دون أن يضل في زوايا التَّأويل والخلاف؟
إنَّ الطَّريق إلى فهم القرآن الكريم لا يكتمل إلَّا بمرجعيَّة تعلو على الأهواء، وتصحح المسار بين الغث والسَّمين، وبين الحقِّ والزَّلل.
القرآن الكريم الذي يحمل الأمان من التَّيه ليس مجرَّد كلمات تردّدها الألسن؛ بل هو ما يُحكَم تفسيره وتُفتَح أسراره عبر أهل البيت (عليهم السلام)، الذين هما ورثة العلم والحكمة، وحُرَّاس الفهم العميق، أوَّلهم المرتضى عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) وآخرهم مهدي آل محمَّد (عليهم السلام).
من يلتزم بهم يُمسك بحبل النَّجاة، ومن يبتعد عنهم يغرق في بحر التَّأويلات التي لا تنتهي. فبهم يكتمل الوعي، وبهم يحيا القرآن الكريم حقًا في القلب والوجدان.
قال الله (عزَّ وجلَّ) في كتابه الكريم: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ، وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ).
وحين يُقال: إنَّ التَّفسير والتَّأويل منحصر بأهل البيت (عليهم السلام)، فإنَّ المقصود هو أنَّهم الأصل الأوثق في بيان معاني القرآن الكريم، والمنهج الأصدق في فهم دلالاته. وكل من سار على نهجهم (عليهم السلام)، إنَّما يستقي من هديهم ويسترشد بما أسَّسوه من قواعد راسخة في التَّفسير والبيان والتَّأويل.
النَّافذة الثَّانية: بين المعصوم (عليه السلام) وغير المعصوم.
من المهم أن ندركَ الفرق الجوهري بين المعصوم (صلوات الله عليه) وغير المعصوم؛ إذ المعصومون الذين اختارهم الله (تعالى)، هم الذين يحملون العلم الكامل والهداية التَّامة، وقد حفظهم (تبارك وتعالى) من الخطأ والزَّلل، وهم المصدر النَّقي للشَّرع والتَّشريع، ومساواة غير المعصوم بالمعصوم (عليه السلام) تعني المساواة بين من اختاره الله (تعالى) واصطفاه لحمل رسالة الدِّين وبين منْ قد يقترف الخطأ بطبيعته البشريَّة.
إنَّ الضَّرر النَّاتج عن هذه المساواة كبير؛ لأنَّه ينتهي إلى تشويش المفاهيم، ويضع الحقائق الإلهيَّة في موضع الشَّك؛ قال الله (تعالى) في كتابه الكريم: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا)، وهو دليل على خصوصيَّة المعصومين (عليهم السلام) في الطَّهارة والعصمة، وحين نضع المعصوم في مصافِّ غيره، فإنَّنا ننتقص من المقام الذي اختصهم الله (تعالى) به، ونمهّد لالتباس الأحكام فيختلط عليهم الحقُّ بالباطل.
إنَّ مساواة غير المعصوم بالمعصوم (عليه السلام) تقود إلى الأخطاء في الفكر والتَّطبيق؛ لأنَّ غير المعصوم قد يكون عُرضة للتَّأويل الشَّخصي والهوى، بينما المعصوم (صلوات الله عليه) هو من يُوحى إليه أو يتلقى العلم الإلهي بطريق يختلف فيه عن جميع الخلق؛ لذلك من الضَّروري أن نضع المعصومين (عليهم السلام) في مكانتهم الحقيقيَّة التي اختارها الله (تعالى) لهم، ونتبع ما جاء عنهم؛ لأنَّهم الحبل المتصل بالله (تبارك وتعالى)، وهم السِّراج المنير الذي يضيء لنا الطَّريق نحو الحقِّ.
عَنْ الإمَامِ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلاَمُ قَالَ: “نَحْنُ أَهْلَ اَلْبَيْتِ لاَ يُقَاسُ بِنَا أَحَدٌ فِينَا نَزَلَ اَلْقُرْآنُ وَفِينَا مَعْدِنُ اَلرِّسَالَةِ”.
وقال (عليه السلام): “لَا يُقَاسُ بِآلِ مُحَمَّدٍ (صلَّى الله عليه وآله) مِنْ هَذِه الأُمَّةِ أَحَدٌ، ولَا يُسَوَّى بِهِمْ مَنْ جَرَتْ نِعْمَتُهُمْ عَلَيْه أَبَدًا، هُمْ أَسَاسُ الدِّينِ وعِمَادُ الْيَقِينِ، إِلَيْهِمْ يَفِيءُ الْغَالِي وبِهِمْ يُلْحَقُ التَّالِي، ولَهُمْ خَصَائِصُ حَقِّ الْوِلَايَةِ، وفِيهِمُ الْوَصِيَّةُ والْوِرَاثَةُ”.
وقال (عليه السلام): “أَلاَ تَرَى -غَيْرَ مُخْبِر لَكَ، لكِنْ بِنِعْمَةِ اللهِ أُحَدِّثُ- أَنَّ قَوْمًا اسْتُشْهِدُوا في سَبِيلِ اللهِ مِنَ الْمُهاجِرينَ، لِكُلٍّ فَضْلٌ، حَتَّى إِذَا اسْتُشْهِدَ شَهِيدُنَا قِيلَ: سَيِّدُ الشُّهَدَاءِ، وَخَصَّهُ رَسُولُ اللهِ (صلى الله عليه وآله) بِسَبْعِينَ تَكْبِيرَةً عِنْدَ صَلاَتِهِ عَلَيْهِ!
أَوَ لاَ تَرَى أَنَّ قَوْمًا قُطِّعَتْ أَيْديِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ -وَلِكُلّ فَضْلٌ- حَتَّى إذَا فُعِلَ بِوَاحِدِنَا كمَا فُعِلَ بِوَاحِدِهِمْ، قِيلَ: الطَّيَّارُ فِي الْجَنَّةِ وَذُو الْجَنَاحَيْنِ!
وَلَوْ لاَ مَا نَهَى اللهُ عَنْهُ مِنْ تَزْكِيَةِ الْمَرْءِ نَفْسَهُ، لَذَكَرَ ذَاكِرٌ فَضَائِلَ جَمَّةً، تَعْرِفُهَا قُلُوبُ الْمُؤْمِنِينَ، وَلاَ تَمُجُّهَا آذَانُ السَّامِعِينَ.
فَدَعْ عَنْكَ مَنْ مَالَتْ بِه الرَّمِيَّةُ، فَإِنَّا صَنَائِعُ رَبِّنَا، وَالنَّاسُ بَعْدُ صَنَائِعُ لَنَا”.



