هل انضم الفاتيكان الى عملية التغطية على الجرائم الإسرائيلية؟

بقلم: د. سعد ناجي جواد..
منذ ان أعاد الرئيس ترامب ترشيح نفسه لولاية ثانية، وقياساً على فترته الأولى، ظهرت آراء واضحة تقول، ان عودته للبيت الأبيض ستكون لها آثار سلبية كبيرة على القضايا العربية، وعلى القضية الفلسطينية بالذات.
مع الأسف فان عدداً غير قليل من العرب والمسلمين، ومازال البعض منهم، خُدِعوا بأقواله وأقوال المروجين لحملته. النتيجة كانت انه منذ اليوم الأول لوصوله الى البيت الأبيض، وبعد ان كان قد وعد بوقف الحرب في غزة، (ومعها الحرب في أوكرانيا) في غضون أيام، اتخذ قراراً برفع الحظر عن أسلحة ثقيلة لإسرائيل كانت ادارة بايدن قد أوقفتها لإجبار الاحتلال على إيقاف الحرب، ثم زاد على ذلك بان قدم مشروعا غير معقول ولا يحترم أبسط حقوق الإنسان يقضي بإخلاء غزة بالكامل من سكانها، أكثر من مليوني نسمة، لكي يعيد بناءها (كمنتجع سياحي بسبعة نجوم)، بينما السبب الحقيقي هو لتقديمها فارغة من السكان هدية لنتنياهو.
وبدلا من إجبار الحكومة الإسرائيلية على فتح المعابر وإدخال المساعدات الإنسانية الى القطاع، نجده يعطي نتنياهو، المهلة تلو الأخرى، لكي يستمر في قتل الآلاف من الفلسطينيين، مغلفاً ذلك بكلام لا ينطلي على طفل صغير.
وإذا ما أردنا ان نتجاوز عن موقفه الأخير الباهت والمراوغ من الهجوم الإسرائيلي الغادر على قطر، الدولة الحليفة للولايات المتحدة، وادعائه بانه أعلِم بالأمر في اللحظات الأخيرة، فان حديثه في المؤتمر الصحفي الذي عقده مع رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر في لندن (18 أيلول الجاري) أعطى فكرة أوضح عن رؤيته لما يجري في غزة، فأولا وقبل كل شيء قال، انه اختلف مع ستارمر في مسألة أساسية واحدة وهي فكرة اعتراف بريطانيا بدولة فلسطين، على الرغم من علمه بان هذا الاعتراف يبقى معنوياً لا يحقق قيام دولة فلسطينية.
هذا الموقف ليس بالجديد لأنه سبق ان هاجم فرنسا وهدد كندا وكل من طرح فكرة الاعتراف بدولة فلسطين، حتى ان كان ذلك على الورق. ثم أظهر موقفا واضحا وصريحا أكبر، حينما رد، وبوجه متجهم وعابس وغاضب، عندما سئل عن الحرب في غزة قائلا: ان ما قامت به حماس في 7 اكتوبر هو (جريمة بشعة غير مسبوقة في التأريخ البشري ولا يمكن غفرانها) وان التركيز يجب ان يكون على إطلاق سراح الرهائن جميعا، الأحياء منهم والأموات، وبأسرع وقت. وعندما سئل فيما إذا كان إطلاق سراح الأسرى سوف ينتج عنه ايقاف الحرب اجاب (ربما).
وهذا الجواب بحد ذاته يعني عدم وجود نية لفعل ذلك، بكلمة أخرى فان الرئيس ترامب اعطى دليلا واضحا، ان حياة 24 أسيرا أو رهينة إسرائيلية عند حماس أهم بكثير عنده من حياة أكثر من مليوني فلسطيني يتعرضون للقتل يوميا (بمعدل 70-100 شخص) على يد جنود إسرائيليين مدججين بأسلحة أمريكية فتاكة. أضف إلى ذلك، انه منذ ان التقى نتنياهو في البيت الأبيض وأسعده بطرح فكرة إفراغ غزة من سكانها شجع نتنياهو على توسيع المجازر، وظل يكرر نفس الفكرة مؤكداً (ان كل أهل غزة سيرحلون ونحن لسنا في عجلة من أمرنا).
هذه المواقف الواضحة والصريحة جاء ما يؤكدها في اليوم نفسه (18 ايلول) عندما استخدمت الإدارة الامريكية حق النقض (الفيتو) للمرة السادسة منذ 2023 ضد مشروع قرار تقدمت به الدول العشر غير الدائمة في مجلس الأمن يقضي بالوقف الفوري للحرب وإطلاق سراح الأسرى وإدخال كميات كبيرة من المساعدات والاحتياجات الضرورية لسكان غزة. قبل ان يبدأ التصويت على مشروع القرار قالت مندوبة الولايات المتحدة في المجلس (سيئة الصيت مورغان أورتيكاس التي عرفت بتهديداتها للمقاومة وللحكومة اللبنانية)، ان قرار الرفض يجب ان لا يفاجئ أحداً، مكررة النغمات القديمة التي دأبت واشنطن على ترديدها مثل (ان القرار لم يذكر حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها)، وانه (ساوى بين إسرائيل وحماس)، و(ان القرار يضفي شرعية خاطئة على الروايات الكاذبة التي تنفع حماس) و(ان القرار يسعى لإعادة حماس الى حكم غزة)، علما بان القرار حظى بموافقة كل الدول الأعضاء الدائمين (بريطانيا وفرنسا وروسيا والصين) وغير الدائمين، ولم تعارضه سوى الولايات المتحدة. هذا الموقف دفع مندوبة الدنمارك للتذكير بخطورة المجاعة التي تصر اسرائيل على فرضها والتي أجبرت الأمهات (على غلي أوراق الأشجار لإطعام أطفالهن، والآباء للبحث بين الانقاض عن قوت لهم).
أما مندوب الجزائر في المجلس السيد عمار بن جامع فلقد تحدث بصوت يعتصره الألم قائلا (أيها الأشقاء والشقيقات في فلسطين سامحونا، وخاصة أنتم في غزة حيث النيران تأكلكم والركام يخنقكم، سامحونا لان هذا المجلس لم يتمكن من انقاذ أطفالكم الذين قتلت اسرائيل أكثر من 18000 طفل منهم، سامحونا لان هذا المجلس لم يتمكن من حماية نسائكم اللواتي قتلت اسرائيل أكثر من 12000 منهن، سامحونا لان المجلس لم يستطع حماية المسنين الذين قتلت اسرائيل أكثر من 4000 منهم، سامحونا لان هذا المجلس لم يتمكن من الدفاع عن أطبائكم وممرضيكم ومسعفيكم الذين قتلت اسرائيل أكثر من 1400 فرد منهم، سامحونا لأننا لم نتمكن من الدفاع عن صحافييكم وصحافياتكم الذين قتلت اسرائيل أكثر من 250 منهم، سامحونا لأننا لم نتمكن من حماية عامليكم في المجال الإنساني الذين قتلت إسرائيل اكثر من 500 منهم، سامحونا لأن المجاعة تنتشر بينكم ولم يتمكن هذا المجلس حتى من إيقافها أو ايقاف التهجير القسري الذي يفرض عليكم، ولأن المساعدات الإنسانية قد تم تحويلها الى سلاح ضدكم، ولم يتمكن هذا المجلس من كسر الحصار على غزة، سامحونا لأن العالم الذي يتحدث عن الحقوق يحرمكم منها انتم الفلسطينيون، سامحونا لان جهودنا الصادقة تصطدم بجدار الرفض المستمر في هذا المجلس، سامحونا لأننا لم نستطع مساعدتكم لأن اسرائيل محمية ولأنها تفلت من العقاب ليس بسبب القانون الدولي ولكن بسبب الانحياز في نظامنا الدولي، اسرائيل تقتل يوميا وتجوع شعبا بكامله ولا يحرك أحد ساكناً.
اسرائيل تقصف المستشفيات والمدارس والملاجئ، ولا شيء يحدث، اسرائيل تعتدي على الوسيط المفاوض [قطر] وتدوس بقدمها على الأعراف الدبلوماسية ولا يحرك أحد ساكنا، يا للعار على عجزنا، يا للعار على الابادة الجماعية التي تتجلى أمام أعيننا ونحن ساكتون.
وإذا كان موقف الادارة الأمريكية الحالية لا يثير الاستغراب لأن الخط البياني الداعم لإسرائيل والخاص بالرؤساء الأمريكان، ومنذ تولي الرئيس ليندن جونسون منصبه في 1963، ظل يتصاعد حتى وصل الى مرحلة الدعم اللامتناهي لإسرائيل، فان ما يثير الاستغراب ان ينظم الفاتيكان الى هذه السياسة. لقد دأبت الكنيسة الكاثوليكية والبابوات الذين توالوا عليها، على الوقوف والدفاع عن حقوق الانسان لكل البشر، إلا ان البابا الحالي ليو الرابع عشر، اتخذ (وفي اليوم نفسه 18 أيلول) موقفا لابد ان يثير علامة استفهام كبيرة، حيث صرح في مقابلة له (ان الناس دأبت على إطلاق صفة الإبادة بصورة متكررة… في حين ان هناك تعريفا فنيا للغاية لمعنى الإبادة)، ليخلص الى القول بانه (ليس مستعدا لتصنيف حملة إسرائيل في غزة على انها إبادة جماعية) لأنها لا تتطابق مع التعريف الذي لم يذكره.



