اراء

لن تنجح إسرائيل في احتلال غزة

بقلم: د. بسام روبين..

منذ اللحظة الأولى لاجتياح غزة، حاولت آلة الحرب الإسرائيلية، تصدير وهم النصر السريع عبر قصف وحشي، لكنها اصطدمت بواقع مرير، مقاومة شعبية حوّلت تراب غزة إلى سجن للغزاة، فغزة ليست أرضاً بلا روح، بل هي قلعة من دم وإرادة، أثبتت أن الاحتلال مهما بلغت قوته، لن يستطيع كسر إرادة شعب قرر أن يستشهد دفاعاً عن أرضه.

لقد تحولت الجغرافيا إلى سلاح فتاك بيد المقاومين، فغزة ليست ساحة مفتوحة لطائرات الاحتلال، بل متاهة من الأحياء المكتظة والأنفاق الذكية فتحول كل زقاق إلى فخ مميت للجيش الإسرائيلي، رغم تفوقه التكنولوجي، ليجبر على خوض حرب في ظلام الأرض، حيث يتحول كل حجر إلى جندي، وكل نفق إلى كابوس يطحن آلياته ويدك أساطير تفوقه.

أما المقاومة فهي العقل التكتيكي الذي لا يقهر، فهي تعرف شوارع غزة كما تعرف خطوط كفها، وتحول كل غزو إلى معادلة استنزاف بطيئة، فالخسائر الإسرائيلية المتصاعدة ليست مجرد أرقام، بل هي انهيار لأسطورة الجيش الذي لا يهزم، حتى أن عمليات تحرير الأسرى كشفت عن ضعف الاحتلال وعجزه أمام أسطورة المقاومة، فكل جندي يقتل يتحول إلى ورقة ضغط في يد المقاومة لا العكس، بينما تتهاوى صورة الجيش الإسرائيلي في عيون شعبه والعالم.

وما يزيد الطين بلّة ضد العدو الصهيوني هو تلك الكلفة الإستراتيجية الباهظة التي تكبدها ويخفيها، فكل قنبلة تسقطها إسرائيل على الأطفال لا تقتل بريئا فحسب، بل تقتل شرعيتها المزعومة أمام ضمير العالم، فقد تحول الاحتلال في العيون الدولية من دولة ديمقراطية إلى آلة إبادة تواجه الإدانات حتى من حلفائه، وفي الداخل، تنفجر الشروخ المجتمعية مع كل جندي يقتل، وكل احتجاج يهز كيان العدو.

والتأريخ يعيد نفسه ويصيح في وجه المحتل، من فيتنام إلى جنوب لبنان، لتثبت التجارب أن الشعوب التي ترفض الموت، تجبر الغزاة على الإختيار بين الفرار أو الانتحار وغزة اليوم تختزل هذا الدرس في أقسى صوره، فمساحتها الصغيرة لا تعني ضعفا، بل تركيزا هائلا لإرادة ترفض الانكسار فكيف يمكن لاحتلال أن يسحق شعباً حول أنقاض منازله إلى خنادق، ورفع راية الحرية من تحت الركام؟.

فإسرائيل اليوم تقف أمام خيارين مسمومين، إما انسحاب يعني اعترافا بالهزيمة وزعزعة لأسطورة القوة التي بنيت عليها، أو البقاء في مستنقع استنزاف ينهك اقتصادها ويدمر نسيجها الاجتماعي، لكن الخيار الثالث الذي قررته إسرائيل مؤخرا وهو السيطرة الكاملة على غزة هو سراب لن يتحقق، فما عجزت عنه إسرائيل في ١٨ عاماً من حصار خانق، لن تنتزعه بقذائف تذروها الرياح فوق أرض تشرب دماء أبنائها وتزرع منها أبطالاً جُدداً.

فغزة ستظل تقاوم، والصواريخ تصرخ في سمائها، فأين النصر المزعوم؟ ولكن الاحتلال يبيع لأبنائه أوهاماً بأن الزمن في صالحه، لكن الحقيقة المرة هي أن الزمن يصنعه أولئك الذين يستشهدون ليولد وطنهم من جديد، فما قيمة طائرة تدك بيتاً، إذا كان كل حجر فيه يتحول إلى بذرة ثورة؟.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى