اخر الأخباراوراق المراقب

في ذكراه الأليمة.. الإمام الحسن وإرهاصات كربلاء

محمد علي جواد تقي..

لم يكن الإمام الحسن “عليه السلام”، يبغي مطلقاً، أن يتحول أطفال عهد معاوية (الهدنة) عام أربعين للهجرة، الى رجال التخاذل والخيانة والجُبن في ظل حكم ابنه يزيد، والانجرار نحو حرب الإمام الحسين عام واحد وستين للهجرة

الحقُ أبلجُ ما يحيلُ سبيلهُ

                       والحقُ يعرفه ذَوو الألبابِ

الإمام الحسن المجتبى “عليه السلام”

أحكم الباحثون، الربط بين صلح الإمام الحسن وقتال الإمام الحسين “عليهما السلام”، لما لمسوه من وحدة المنهج الرسالي، والمهمة الإصلاحية في الأمة، وكونهما الامتداد الطبيعي لجدّهما المصطفى “صلى الله عليه وآله”، فقالوا: “لو لم ينتصر الإمام الحسن المجتبى في هدنته، على معاوية والنظام الأموي، لما تمكّن أخوه؛ الإمام الحسين من تحقيق النصر المؤزر والمدوي عبر التأريخ على النظام نفسه، ودفعه سريعاً نحو الهاوية”.

ولكن، من ناحية الطبيعة الانسانية للمجتمع الاسلامي آنذاك، وتحديداً مجتمع الكوفة المبتلى بشكل مرير وشديد، بالإيمان وبالأخلاق وبالوعي الديني منذ احتضانه حكومة أمير المؤمنين “عليه السلام”، فان الأمر يختلف في رؤية الإمام الحسن المجتبى الذي تمر علينا هذه الأيام، ذكرى استشهاده الأليمة في السابع من شهر صفر، صحيح أنه، “عليه السلام”، اضطلع بدور أساس في نجاح النهضة الحسينية، من خلال تمهيد الأرضية السياسية، وإماطة اللثام عن حقيقة معاوية والأمويين، بيد أنه كان يريد في الوقت نفسه نجاح العملية الإصلاحية في أمة جدّه بشكل عام، وفي المجتمع الكوفي بشكل خاص، والعمل على معالجة المشاكل النفسية والروحية المسببة لكل ما تجرعه من قبل أمير المؤمنين من خذلان وخيانة وتمرّد وجهل بأحكام الدين وبالسيرة النبوية، فهو “عليه السلام”، لم يكن يبغي مطلقاً أن يتحول أطفال عهد معاوية (الهدنة) عام أربعين من الهجرة، الى رجال التخاذل والخيانة والجُبن في ظل حكم ابنه يزيد، والانجرار نحو حرب الإمام الحسين عام واحد وستين للهجرة، أي بعد احدى وعشرين سنة، ولكن هذا هو شأن الاختبار في الحياة.

حبُّ المال وكراهية الموت

إنها نزعة مغروزة في نفس كل انسان، وليس فقط هي مشكلة الإنسان الكوفي آنذاك، إنما ظهور هذه النزعة والمشكلة على سطح الأحداث جاءت نتيجة لوجود أول تجربة إسلامية متكاملة ونموذجية على يد أمير المؤمنين في هذه البقعة الجغرافية المترامية الأطراف (الكوفة)، فقد حصل التقاطع بين العدل والمساواة والقيم الدينية والأخلاقية، وثقافة الحرب والعنف والعصبية للقبيلة، والولاء للأقوى المترسخة في نفوس سكان منطقة كانت تعد حامية عسكرية تضم أكثر من مليون نسمة، جلّهم من محترفي القتال تحت الطلب في الدولة الإسلامية.

وهذا ما ورثه الإمام الحسن المجتبى منذ أول يوم لتوليه الخلافة بعد استشهاد أبيه أمير المؤمنين، فقد بايعته الجموع الغفيرة في مسجد الكوفة، وتحت صرخات عبد الله بن عباس بأن “معاشر الناس، هذا ابن نبيكم ووصي إمامكم، فبايعوه”، فكان الرجل القوي الوحيد في الساحة، وربما لو كان ثمة من ينافسه، وإن كان أموياً، لمالوا اليه، يُذكر أن الإمام الحسن “عليه السلام”، كان يوم بويع للخلافة في عزّ شبابه، فقد كان في سن السابعة والثلاثين من عمره الشريف، وفي هذا العمر الغضّ لم تدم له الخلافة سوى أربعة أشهر فقط.

وبعد التوقيع على الهدنة، قال معاوية للإمام الحسن: “أنا خيرٌ منك يا حسن! فقال “عليه السلام”: وكيف ذاك يا بن هند؟ قال: لأن الناس أجمعوا عليّ ولم يجمعوا عليك، فقال له، هيهات هيهات، لشرّ ما علوت، يا بن آكلة الاكباد، المجتمعون عليك رجلان: بين مُطيع ومُكره، فالطائع لك عاصٍ لله، والمكره معذور بكتاب الله، وحاشى لله أن أقول: أنا خيرٌ منك، فلا خير فيك، ولكن الله برأني من الرذائل كما برأك من الفضائل”.

هذه الثغرة النفسية الخطيرة كان مدركها معاوية منذ حربه الضروس مع أمير المؤمنين، بيد أنه لم ينجح حينها بتغرير القادة والأعيان كما فعل في عهد ولده الحسن، إنما اعتمد التضليل وتحريك حب الحياة والبقاء وإن كان على الذل والباطل، ولذا بدأ يعلن عن أسعار مغرية للذمم لكبار القادة العسكريين، وحتى رواة الحديث النبوي، أمثال سمرة بن جندب الذي اشتراه، واشترى أحاديثه الكاذبة على رسول الله بنصف مليون درهم.

وجاءت وعوده علانية للكوفيين بأن من يقتل الحسن له الأموال والمناصب العليا في الدولة، كما حصل مع عمرو بن حريث، والأشعث الكندي، وشبث بن ربعي، عندما وعد كلٌ منهم بـ 100 ألف درهم إن تمكن من قتل الإمام الحسن، وجاء في التأريخ أن الإمام تنبه الى هذه الدسائس فلبس الدرع للاحتراز، وذات يوم تعرّض لسهم اثناء الصلاة فلم تثبت فيه، وبلغ الوقاحة بالبعض ان تحدث جهاراً بأن “إذا سلمنا الحسن الى معاوية لنا العراق”، فهمّ المقربون من الإمام بقتل القائل، ولكن الإمام عفى عنه، وقال لهم: “ويلكم والله ان معاوية لا يفي لأحد منكم بما ضمنه في قتلي، وأظن أني إن وضعت يدي في يده فأسالمه لم يتركني أدين بدين جدي، وان أقدر أن أعبد الله –عز وجل- وحدي، ولكنني كأني انظر الى ابنائكم واقفين على أبواب ابنائهم يستسقونهم ويستطعمونهم بما جعله الله لهم، فلا يُسقَون ولا يُطعمون”.

وفي شدّة الأزمة في معسكر الإمام الحسن، حيث تساقط القادة العسكريون، وخذلان الجند وعامة المجتمع، صعد الإمام المنبر ليلقي آخر حجة عليهم بين القتال والهدنة مع معاوية، فقال: “أما والله ما ثنانا عن قتال أهل الشام ذلّة ولا قلّة، ولكن كنا نقاتلهم بالسلامة والصبر، فشيب السلامة بالعداوة، والصبر بالجزع، وكنتم تتوجهون معنا ودينكم أمام دنياكم، وقد أصبحتم الان ودنياكم أمام دينكم، فكنا لكم وكنتم لنا، وقد صرتم اليوم علينا، ثم أصبحتم تعدّون قتيلين: قتيلا بصفين تبكون عليه، وقتيلا بالنهروان تطلبون بثأره، فأما الباكي فخاذل، وأما الطالب فثائر (معارض)، وان معاوية قد دعا الى أمر ليس فيه عزّ ولا نَصِفة، فان أردتم الحياة قبلناه منه، وغضضنا على القذى، وان أردتم الموت بذلناه في ذات الله وحاكمنا الى الله، فنادى القوم بأجمعهم: بل البقية والحياة.

أبرز صور الجهل بأهل بيت رسول الله

تجلت هذه الصورة المحفورة بالدم في ذاكرة التأريخ، عندما أراد الإمام الحسن اختبار الناس، تماماً كما فعل طالوت الملك في حربه ضد جالوت في عهد نبي الله داود عندما أمر الناس بعدم الشرب من ماء النهر إلا بغرفة يد فقط، في القصة التي يرويها القرآن الكريم، فقال لهم الإمام الحسن: “أما بعد فإني والله لأرجو ان أكون قد أصبحت بحمد الله ومنّه وأنا أنصح خلق الله لخلقه، وما أصبحت محتملا على مسلم ضغينة، ولا مُريدا له بسوء، ولا غائلة، ألا وإن ما تكرهون في الجماعة خير لكم مما تحبون في الفرقة، ألا واني ناظر لكم خيراً من نظركم لأنفسكم، فلا تخالفوا أمري ولا تردوا عليّ رأيي، غفر الله لي ولكم وأرشدوني وأياكم لما فيه المحبة والرضا”.

كلامٌ مفعم بالحبّ والنصح والإرشاد بضياء الإيمان، بيد أن الجهل والسطحية في الفهم والعقيدة جعل البعض يقول لصاحبه: “ما ترونه يريد بما قال؟! قالوا نظنه والله يريد ان يصالح معاوية ويسلّم الأمر اليه! فقالوا كفر والله الرجل”! ثم شدوا عليه على فسطاطه (خيمته) وانتهبوه، حتى أخذوا مصلّاه من تحته بدعوى أنه غير مسلم، ليس هذا فقط، بل هاجمه شخص من التكفيريين الخوارج فيما كان على بغلته مع حلول الظلام، وكان بيده “مغول” وصاح: الله أكبر، اشركت يا حسن كما أشرك أبوك من قبل، ثم طعنه في فخذه فشقه حتى بلغ العظم، ثم اعتنقه الحسن وخرّا جميعاً الى الأرض فوثب اليه رجل من شيعة الإمام فانتزع المغول من يده وضرب به بطنه حتى مات.

كان الإمام الحسن “عليه السلام”، يحذر الناس (سكان الكوفة) من مغبة عواقب التخاذل والتنصّل عن مسؤولية القتال ضد الفئة الباغية، وكان يصارحهم مباشرة بمرضهم النفسي وضرورة المعالجة قبل فوات الأوان، ولكنهم كانوا يكابرون وينفون بشدّة، ويكررون وعود الولاء والطاعة، والإمام يرد عليهم قولهم المعسول الذي لم يخرج من القلب قط، فقال لهم: “إن كنتم صادقين فموعد ما بيني وبينكم معسكر المدائن، فوافوني هناك، فركب ومعه من أراد الخروج، وتخلف عنه خلقٌ كثير ولم يفوا بما قالوا”.

لقد اشترى معاوية ذمة قائد من كنده وقائد آخر من مراد، كلٌ دفع له نصف مليون درهم، وكذا فعل مع عبيد الله بن العباس، وهو ابن عمه المقرّب، وقد وثق به “عليه السلام”، وأعطاه قيادة اثني عشر فارساً “من فرسان العرب وقراء المصر”، على أن يعسكروا بالأنبار، وكان ردّهم للجميل والثقة العالية بالغدر والخيانة.

وفي المصادر التأريخية، أن القائد من قبيلة مُراد حلف أمام الإمام الحسن بالإيمان الغليظة على الوفاء له، بعد أن توقع خيانته أمام جموع المسلمين، مع ذلك؛ فان قرقعة الدراهم كانت أقوى من أي حلف وإيمان تخرج من أفواه المنافقين.

ربح الإمام الحسن المجتبى، الهدنة مع معاوية بتحقيق ما كان يصبو اليه بحفظ دماء وحرمات المسلمين، وخسر المتخاذلون والمنافقون الحرب، رغم ادعاءاتهم الفارغة بالشجاعة والفروسية والاقدام على المكاره، فلم تعد الكوفة مكاناً في مستوى الإمام الحسن المجتبى، فجمع عياله وأهل بيته قاصداً العودة الى مدينة جدّه؛ المدينة، فاستقبله أحد الموالين، راجياً منه البقاء، ليكون علماً ومناراً لشيعته، فكان جوابه البليغ والمشحون ألماً وكمداً:

ولا عن قِلى فارقتُ دار معاشري

                          هُم المانعون حوزتي وذماري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى