مسرح التعازي.. دراما ملحمية مستمدة من وحي معركة الطفوف

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…
يرى الناقد منير راضي أن المساحات الماثلة والمفتوحة للرؤية الواقعية والجمالية الإبداعية التي يتم تناولها في كل أثر أدبي يستمد العمق الراسخ والمتجذر من واقع ووحي المأساة المحمدية المتمثلة في سفر وماهية واقعة كربلاء الخالدة قد أمدت الواقع والتراث الانساني بمعين لا يمكن أن تكون له نهاية يوما ما، فتلك الواقعة الطفية الاليمة تتجدد في كل جوانب ويوميات ومفاصل الحياة الانسانية وعلى كل مستويات الفكر والادب والفنون والثقافات الاخرى لأنها حاكت الضمير ولامست شغف الجرح الانساني النبيل ووجع القلوب الحية الباحثة نحو الخلاص والفداء والحرية والعدالة الإلهية “.
وأضاف في قراءة نقدية خص بها ” المراقب العراقي” : ” لقد تناول الادب بجميع تصنيفاته لمأساة ( واقعة الطف ) بعدة روايات مختلفة في طرحها وتناولها ومن ثم إسقاطها على واقعيات هذه المجتمعات الكونية وبذلك اعطى فرصة كبيرة للأدب العربي أن تكون لديه مأساة حقيقية جوهرية للصراع الانساني النبيل رغم محاولة العابثين تغييب حقيقة هذا الاثر الانساني والموروث الادبي عن واقع الحياة الفنية والثقافية وباقي الفنون الاخرى إلا أن المسرح كان له الدور الكبير في تناول هذه المأساة وذلك لما يحمله من آثار وصور ودلالات بكل ابعادها الانسانية والاجتماعية وشعائرها الملحمية لأنه يمتلك القدرة الكبيرة في تحفيز ذهن المتلقي ليعطي الصراع الحقيقي والجاد في تصنيف ما يحيط به ولهذا كان للمسرح دور كبير في البحث والتقصي عن حقائق تلك المأساة الكربلائية وطرحها بشكلها الحقيقي للصراع الانساني مع ما يحيط به من ظلم وعبودية واستلاب وهذا ما جاء به مسرح التعزية او ما يُعرف (التشابيه ) “.
وتابع:إن “اغلب أراء الباحثين والمستشرقين سلطوا الضوء عن فكرة مسرح التعازي ونسبوها الى بلاد الإغريق بينما هناك عدة دلائل ووقائع تأريخية تنسب هذه الشعيرة الطقسية المقدسة في العراق وان عراقتها كعراقة التشيع في العراق اي انها وجدت منذ استشهاد الامام الحسين “ع” في كربلاء وكانت نواة هذه الشعائر والطقوس المأساوية قد نشأت مع حركة ( التوابين )الذين خرجوا في أزقة وشوارع الكوفة بعد الاحداث الدامية في واقعة الطف واستمرت هذه الشعيرة المقدسة رغم جور الحاكمين في منعها او الحد منها الى زمن العباسيين ولكن اُفرج عن ممارستها بعد سيطرة ( البويهيين ) على بغداد”.
وأوضح : “أنه في الاربعينيات وبعد سفر بعض البعثات الى الخارج لدراسة المسرح رجعوا الى العراق وهم يحملون ما درسوه وما تعلموه في عالم المسرح ولكن ببيئته الغربية التأريخية والمعاصرة وهكذا ضاعت على المسرح العراقي فرصة كبيرة وتأريخية وهي عدم الانتباه الى الارث المسرحي الغني المتمثل في الفرجة المسرحية في طقوس وشعائر التعازي والتي ظهرت في العراق بحدود القرن الرابع الهجري وكانت أول تشابيه قدمت في العراق كانت في مدينة العمارة”.
وتسأءل:” أين هي التعزية في المسرح العراقي وهو الوريث الحقيقي لهذة التراجيديا التي تمت على ارضه فلقد اعتمد المسرحيون في كل العالم على استلهام مادة نصوصهم من الملاحم والقصص الشعبية والفلكلورية الحياتية التي أنتجتها شعوبهم على مدى الدهر فأسسوا بذلك مسرحهم وعملوا على تطويره وإعداده ليكون ماده انسانية فنية جدلية وكذلك أسسوا مدارس فنية وفيها منظرون مازالوا مستمرين بالبحث والتقصي والاستقراء ,, ان مسرح التعزية هو فرجة مسرحية تمتلك من عناصر الدراما والتراجيديا ما يجعلها ان تكون مادة مهمة تُغني المسرح العراقي وحتى المسرح العربي بل نذهب الى ابعد من ذلك من الممكن القول هي الوريث الحقيقي للمسرح العراقي ولكن كيف ولماذا غُيِّبَ تأريخ مسرح التعازي في المسرح العراقي ولماذا هذا الاقصى المؤدلج الى هكذا دراما واقعية حقيقة عراقية واقليمية كذلك”.
وأكمل :إن “السلطة الرسمية في العراق منذ القدم هي سلطة طائفية اقصائية فئوية تعمل على طمس وتهميش الآخر في معتقده وتأريخه ونسبه ولا ننسى كذلك ان عمر المسرح العراقي قصير وعندما ذهبت البعثات لدراسة الفن وتأريخه في روسيا و أوروبا وافريقيا جاءوا بتجارب جاهزة فكانت بتأثيرات المكان الذي درسوا فيه والطامة الكبرى أن اغلب المثقفين في العراق كانوا ومازالوا يتفادون هذه الطقوس والشعائر والترميز العاشوري الثوري وهي إحدى المشاكل الاساسية لأن اغلب هؤلاء المثقفين ينظرون الى الاسلام بشكل فوقي متأثرين بالفلسفات الاخرى دون النظر في تراثه وتأريخه وما يحمله من إرث حقيقي في الادب والفن والثقافة وعلوم الحياة الاخرى”.



