اراء

من بيعة الغدير الى سبايكر.. حتى إشعار آخر

منهل عبد الأمير المرشدي..
الى كل شريف بالنشأة ومسلم بالفطرة أو بسيط في التكوين أو عالم بالتكليف، الى كل إنسان غيور نقي سليم.. الى كل أخ وصديق وزميل ونسيب وقريب.. سُنياً كان أو شيعياً.. مهما كان مسلماً وكفى نقول له.. بأسى القلب وحسرة الروح وآهات ومظلومية ولوعة وسفر قديم جديد ونزف أليم مديد نقول.. ليس صدفة مفتعلة أو قدراً فوضوياً هذا الذي جمع عيد الغدير الأغر بما أراده الله إقرار بالولاية والوصاية والهداية والثبات مع جريمة الكون ومأساة العصر في مجزرة سبايكر، إنما هي دورة الحق الذي يعلو ولا يعلى عليه، وصدى اليقين الراسخ الأكيد وصرخة الذات الإنساني المأزوم حيثما كانت نقطة الشروع في مستنقع المؤامرة ونظرية الانقلاب الإعرابي المشين، فلا يصحو من سبات الضمير وإدمان الأمة على الخسران.. بعيداً عن القاصد والمقصود والقول الموعود بقلب واحد وحب صادق ونفس مطمئنة وسلام نقول.. كان يوم الغدير قبل ألف و400 عام، شريعة الله في عباده في إقرار الوصاية لسيد الكونين وخاتم الرسل “صلوات الله عليه وآله”.. مثلما كان لكل نبي وصي يخلُفه في أمته، يُكمل ما بدأه النبي ويحفظ الدين من الانحراف، فما من نبيٍ إلا وله وصي، فقد كان شيث ابن سيدنا آدم ووصيه كما تنصّ الروايات التوراتية، بينما كان يوشع بن نون وصياً لموسى “عليه السلام” وخليفته وقائداً لبني إسرائيل بعد وفاته، وفقا لما جاء في القرآن والتوراة، شمعون الصفا هو وصي عيسى “عليه السلام” ويعد في المسيحية من الحواريين مثل كل ما ذكرنا تنزيلاً بأمر الله، فقد نزل وحي الله عز وجل بقوله تعالى الى الرسول المصطفى إثر عودتهم من حجة الوداع (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُۚ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) [المائدة: 67]، انه خطاب بلغة الأمر من الله لرسوله “صلى الله عليه وآله” الذي دعاه ليستوقف الحجيج في غدير خم وطلب أن يهيئوا له متكأ عالياً صعد عليه وبجانبه الإمام علي “عليه السلام” فوقف خطيباً ومما قال في خطبته (أيها الناس، إني أوشك أن أُدعى فأجيب، وإني مسؤول وأنتم مسؤولون، فماذا أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلّغت ونصحت وجاهدت، فجزاك الله خيرًا. فقال: ألستم تشهدون أن لا إله إلا الله، وأني محمدًا عبده ورسوله، الى أن قال وإني سائلكم حين تردون عليّ عن الثقلين، فانظروا كيف تخلفوني فيهما، فناد منادٍ: وما الثقلان يا رسول الله؟ قال: الثقل الأكبر كتاب الله، طرف بيد الله وطرف بأيديكم، فتمسكوا به لا تضلوا، والثقل الأصغر عترتي أهل بيتي، فإن اللطيف الخبير نبّأني أنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض، فلا تسبقوهم فتَهلَكوا، ولا تقصروا عنهم فتهلكوا، ثم أخذ بيد علي بن أبي طالب “عليه السلام” ورفَعَها حتى بان بياض إبطيهما، وقال: “أيها الناس، من أولى الناس بالمؤمنين من أنفسهم؟” قالوا: الله ورسوله أعلم، فقال ثلاثا: “إن الله مولاي، وأنا مولى المؤمنين، وأنا أولى بهم من أنفسهم، فمن كنت مولاه فهذا عليٌّ مولاه، اللهم والِ من والاه، وعادِ من عاداه، وانصرْ من نصره، وأخذلْ من خذله، وأدرِ الحق معه حيث دار”. ثم قال ثلاثا: “أيها الناس، فليبلّغ الشاهد الغائب”، ثم أمر الناس أن يبايعوا عليًا ويُهنئوه فجاءه عمر بن الخطاب وقال: (بخٍ بخٍ لك يا علي، أصبحتَ مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة) نقول انه نص إلهي جلي بإعلان الوصاية والولاية للإمام علي بن أبي طالب “عليه السلام” التي أتم بها الله دينه الحنيف على عباده، فنزلت الآية الكريمة (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًاۚ فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍۙ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (المائدة 3)، لكن الأمة التي بايعت الإمام علي “عليه السلام” وهنأته انقلبت عليه وبدأت مخطط الانقلاب الذي تم الإفصاح عنه حال استشهاد رسول الله في واقعة السقيفة والذي أنبأنا عنه الله تعالى بقوله (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُۚ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْۚ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًاۗ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ) (آل عمران 144). ذلك الانقلاب على عهد الله ورسوله والذي أقصى آل البيت “عليهم السلام” عن فقه الناس وشريعتهم، فتاه أبناء الأمة عن الحق بين عشرات الآلاف من الصحابة العدول المرتدين والجاهلين والمنافقين وسلّم زمام الأمور الى الطلقاء من بني أمية ليشرعنوا مسيرة الظلم والطغيان الذي مهد لداعش وصولا الى شلالات الدم في مجزرة سبايكر.

إنها الحقيقة ولا شيء غير الحقيقة وما كان للعامة من أبناء الأمة ذنب أو خطيئة، إنما هو باب التوبة والاستبصار مفتوح، والذنب كل الذنب والخطيئة كل الخطيئة في أعناق من تصدوا للعلوم الدينية والفتوى الذين أفتوا بجهاد مجزرة سبايكر ولعنة الله على الظالمين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى