اللسان.. السبع المفترس إن تركته طليقًا

صباح الصافي..
قال الإمام عليُّ بن الحسين زين العابدين (عليه السلام): “وَحَقُّ اللِّسَانِ إِكْرَامُهُ عَنِ الْخَنَا، وَتَعْوِيدُهُ الْخَيْرَ، وَتَرْكُ الْفُضُولِ الَّتِي لَا فَائِدَةَ لَهَا، وَالْبِرُّ بِالنَّاسِ، وَحُسْنُ الْقَوْلِ فِيهِمْ.
حين خلق الله (سبحانه وتعالى) الإنسان، وهبه أعضاءً متعدِّدة، وجعل لكلٍّ منها وظيفة مميزة تؤدِّي دورًا مهمًّا في حياته؛ فالعين ترى جمال الكون، والأذن تصغي لنغمات الحياة، والأنف يشتم عبيرها، والقدمان تسيران به في دروب الخير، وأمَّا اللسان، فهو عضو صغير؛ لكن أثره عظيم؛ فهو أداة التَّعبير، ومفتاح المحبَّة، وجسر التَّواصل بين القلوب؛ به يُحرز الإنسان رضا الله (تعالى) أو ينال سخطه (سبحانه)، فهو إمَّا منبعٌ للخير أو سبيلٌ إلى الشَّر، واللسان مرآةٌ لما في القلب، إن صلح، صلح الجسد بأكمله، وإن فسد، أفسد ما حوله؛ لذا، جاءت النصوص الشرعيَّة تُحذِّر من إطلاقه بلا وازع، وتدعو إلى تهذيبه بالحكمة والصَّمت الجميل؛ فما أجمل أن نستخدمه في الذِّكر الطيِّب، والكلام النَّافع، ونبتعد به عن الغيبة والنميمة؛ لأنَّ كلَّ ما يخرج منه سيسجل وسيسأل عنه، قال الله (سبحانه): (مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ).
وعن الإمام الباقر (عليه السلام): “إِنَّ هَذَا اللِّسَانَ مِفْتَاحُ خَيْرٍ ومِفْتَاحُ شَرٍّ فَاخْتِمْ عَلَى لِسَانِكَ كَمَا تَخْتِمُ عَلَى ذَهَبِكَ ووَرِقِكَ” فكما يحفظ الإنسان ماله وذهبه من السَّرقة والضَّياع، ويغلق عليه الصناديق، عليه كذلك أن يُحكم غلق لسانه، فلا يفتحه إلَّا لحاجة أو حكمة؛ لأنَّ الكلمة قد تُداوي، وقد تُدمي، وقد تفتح أبواب الرَّحمة أو أبواب النَّدامة.
يا له من تشبيه بليغ، يجعلنا نتأمَّل:
هل نزن كلماتنا كما نزن أثمن أشيائنا؟
وهل نعي أنَّ الكلمة قد تُكتب علينا كما يُكتب الدَّين في الذِّمة؟
وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): “وَلَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ (صلى الله عليه وآله): لَا يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قلَبْهُ، وَلَا يَسْتَقِيمُ قلَبْهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لسِاَنهُ؛ فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَلْقَى اللهَ وَهُوَ نَقِيُّ الرَّاحَةِ مِنْ دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَأَمْوَالِهِمْ سَلِيمُ اللِّسَانِ مِنْ أَعْرَاضِهِمْ فَلْيَفْعَلْ” ومن ظنَّ أنَّ لسانه لا يؤثِّر على إيمانه فقد غفل عن لُبِّ الدِّين؛ قال ابن السكيت رحمه الله:
يصاب الفَتَى مِنْ عَثْرَةٍ بِلِسَانِهِ — وَلَيْسَ يصاب المَرْءُ مِنْ عَثْرَة الرِّجْلِ
فعَثْرَتُهُ في القول تذهب رأسه — وعثرته في الرِّجل تبرأ عن مَهْلِ.
وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): “زَلَّةُ اللِّسَانِ تَأْتِي عَلَى الْإِنْسَانِ”؛ أي أنَّ خطأً صغيرًا في القول قد يُسقط الإنسان، ويجرُّ عليه من النَّدم والمصائب ما لا يتوقّعه؛ إذ اللسان قد يسبق الفكر، ويهوي بصاحبه في مواطن لا يُحمد عقباها. وفي موضع آخر قال: (عليه السلام): “اللِّسَانُ سَبُعٌ إِنْ خُلِّيَ عَنْه عَقَرَ”؛ وقد شبَّه فيه اللسان بالسبع المفترس، الذي إن تُرك من دون ضبط أو حبس، انقضَّ على صاحبه وأرداه؛ لأنَّ الكلام إذا لم يُوزن، يصبح أداة فتك، وقد يجرح جرحًا لا يُشفى، أو يهدم بيتًا، أو يقطع رحمًا.
فكم من كلمة قالت لصاحبها: دعني!
وكم من صمتٍ كان خيرًا من حديثٍ ندم عليه صاحبه عمرًا!
اللَّهم سلَّم رأسي
نقل أنَّ لصًا دخل بيت حائك فإذا به يحوك بزة قشيبة وهو يقول إبَّانَ حياكته: أللَّهم سلِّم رأسي من حصيد لساني، ولمَّا أتمَّ الحياكة أخذ البزة، وجاء بها إلى بيت الملك فتبعه السَّارق علَّه يحصل فرصة يسلب منه البزة، فأعجب الملك بها واستشار وزراءه عمَّا تصلح له، فأشار كلٌّ بما يرتئيه، وحين ذاك قال الملك: إنَّ أعلم النَّاس بما تصلح له الحائك نفسه، ولمَّا استشاره عن ذلك، قال: إنَّها تصلح للإلقاء على جنازة الملك، فتغيَّر الملك، واستشاط غيظًا، وأمر بقتل الحائك. وإذا بالسَّارق يستمهل الجلَّاد، ويبيِّن قصَّته، وما كان يتكلَّم به حين الحياكة، فعفا عنه الملك بعدما علم أنَّه لم يقل ذلك عن عمد.



