اراء

حين يصبح الخنوع عقلانية.. وتُسوَّق الهزيمة على أنها حكمة

بقلم: جمعة ارحيمة الفرطوسي ..

في زمنٍ يُعاد فيه تعريف المصطلحات، وتُحرَّفُ فيه المفاهيم حتى تفقد معناها الأصلي، بات من السهل على بعض الأنظمة العربية أن تلبس خيبتها ثوب “العقلانية”، وأن تروج لفشلها على أنه انتصار دبلوماسي، وأن تُصدّر خنوعها السياسي كحنكة استراتيجية.

تحت أضواء الكاميرات وبهرجة القمم، يقف الزعماء العرب يتبادلون الابتسامات مع صُنّاع الخراب، يتصافحون مع من أشعلوا الأرض نارًا في اليمن وسوريا وليبيا والسودان، ثم يتحدثون بوقار مصطنع عن “الحلول السياسية” و”دعم الاستقرار”، وقد أوكلت للإعلام مهمة تحويل هذه المسرحية إلى ملحمة بطولية، تُعرض على شعوب أنهكها الخداع حتى باتت تصدّق أن الانبطاح وجهة نظر، وأن الاستسلام فِطنة.

أصبح من الطبيعي أن يُتهم المقاوم بالجنون، وأن يُوصف الشريف بالانتحاري، وأن تُجرّم الممانعة وتُهلل المساومة ، بينما تُرمى غزة المحاصرة بالتهم، ويُشيطن لبنان الصامد، وتُحوّل اليمن إلى مجرد ساحة نزاع قَبَلي، تُقدَّم العواصم التي موّلت الخراب وأشعلت الفتن على أنها مراكز لصناعة “القرار العربي“.

لا أحد يريد أن يسأل من أدخل الذئب إلى الحظيرة؟ من مَوّل القتل؟ من اشترى السلاح للجلاد وسوّقه كدواء للضحية؟ من مزّق ليبيا، وسلّح الفصائل في سوريا، ودعم الحرب على اليمن، وتسبب بدماء السودان، وحرّك النعرات في الصومال؟ أليسوا هم أنفسهم من يتحدثون اليوم عن التعقل والسلام والمستقبل الزاهر؟

لقد تحولت بعض الدول العربية إلى أدوات تنفيذ في يد القوى الكبرى، تحرّكها الإرادة الغربية حيث تشاء، وتستخدمها كصدى لقرارات تُصاغ خارج حدود المنطقة، ثم يُطلب من الشعوب أن تصفق للنتائج، وتؤمن بأن العبودية “مصلحة وطنية“.

في هذا المشهد العبثي، يسعى الإعلام العربي، لا سيما الخليجي منه، إلى تعليب المواقف وتلوينها، ليُقدِّم كل مقاومة على أنها عبء، وكل ذُلٍّ على أنه إنجاز، فغزة التي تقاتل بدمها تُصوَّر كخطر على السلام، ولبنان الذي يحاول الصمود يُقدَّم كرهينة مشروع طائفي، واليمن الذي يقاوم التحالف يُتهم بأنه تابع.

إن أخطر ما يُواجه هذه الأمة اليوم ليس العدو الظاهر فحسب، بل أولئك الذين يموّهون الهزيمة ويجمّلونها، ويغلفون الجبن بغلاف الحكمة، ويزرعون في وعي الأمة أن الاستسلام بطولة، وأن الذل طريق التنمية.

وفي النهاية، لا يُصنع النصر من اجتماعات فارهة، بل من قرار حر، ولا يُبنى المستقبل بالوقوف عند أعتاب السفارات، بل بالثبات على المبادئ، لأن من خان قضايا أمته لن يبني يومًا حضارتها، ومن استبدل الشرف بالعلاقات العامة لن يُصنّف في كتب التأريخ إلا خائنًا ، مهما ارتدى من ربطات عنق وادعى الحكمة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى