غزوة بني قريظة.. المواجهة الأخيرة مع اليهود

غزوة بني قريظة، هي آخر غزوة خاضها النبي صلی الله عليه وآله وسلم ضد يهود المدينة وذلك إثر غدرهم بالمسلمين ونقضهم للعهد الذي كان بينه وبينهم ومساندتهم للمشركين في غزوة الخندق في السنة الخامسة للهجرة.
حوصرت قلاع بني قريظة واستسلم مقاتلوها بعد حصار دام شهراً، فنزلوا على حكم سعد بن معاذ طلباً منهم فحكم بينهم سعد بقتل مقاتليهم وسبي ذراريهم وتقسيم أموالهم استناداً إلى العهد الذي كان بينهم وبين النبي. ارتضى النبي حكم سعد، ويُذكر أنّ حكمه جاء موافقاً لحكم التوراة.
هذا وقد شكك البعض في تفاصيل بعض المصادر حيث ذكرت قتل كافة رجال القبيلة.
نقض العهود
كان السبب الرئيس لغزو بني قريظة هو نقضهم للعهود والمواثيق التي أُبرمَت بينهم وبين رسول الله في أول دخوله المدينة المنورة حيث كان قد كتب كتاباً واشترط عليهم أن لا يظاهروا عدوّه وأن ينصروه على من داهمه أو ألّا يكونوا معه ولا عليه وإلّا فالنبي في حِلّ من سفك دمائهم وسبي ذراريهم ونسائهم وأخذ أموالهم.
لقد صرّحت بعض المصادر أن اليهود من بني النضير وقريظة كانت قد حاربت رسول الله إلا أنّ النبي أجلى بني النضير من المدينة وأقرّ بني قريظة ومنَّ عليهم حتى حاربت المسلمين وقامت بمساندة قريش في حرب الخندق. والنصوص الحالية وإن لم تُحدِّد تكرّر نقض العهد من قريظة إلاّ أنّ المذكور في نزول آية 56 من سورة الأنفال في شأنهم ( الذين عاهدتّ منهم ثم ينقُضون عهدَهم في كلّ مرة وهم لايتّقون) كما ينقله مجاهد،] وغيره إلى جنب تلك الإشارات المنقولة على لسان غير واحد كالبخاري ومسلم وغيرهم يومي إلى وقوع ذلك. هذا وفي لائحة المقتولين من ينتمون إلى بني النضير.
انتهى الخبر إلى المسلمين بنقض بني قريظة للعهد، فاشتدّ الخوف وعظُم البلاء على المسلمين إذ كان للخبر تأثيره السلبي على معنويات المسلمين نظراً للمكانة الجغرافية لقلاع بني قريظة، حیث كان باستطاعتهم الهجوم على المسلمين من خلفهم أثناء انشغالهم بمحاربة المشركين.
يُنقل أنّ أبابكر وجابر بن عبد الله الأنصاري كانا يقولان: لقد خفنا على الذراري بالمدينة من بني قريظة أشدّ من خوفنا من قريش وغطفان. وكانت أم سلمة تقول: قد شهدت مع رسول الله مَشاهِد فيها قتال وخوف لم يكن من ذلك شيء أتعب لرسول الله ولا أخوف عندنا من حرب الخندق وذلك أنّ المسلمين كانوا مثل الحرجة (الشجرة ذات الأغصان الكثيرة) وأن قريظة لا نأمنها على الذراري والمدينة تُحرَس حتى الصباح، يُسمع تكبير المسلمين فيها حتى يُصبِحوا خوفاً.
ذکرت المصادر أن القبيلة عزمت على مباغتة المسلمين ليلاً عندما كانت المدينة محاصرة من قبل المشركين، حیث أرسلت إلیهم رسائل تطالبهم بإرسال مقاتلين (ألفاً من قريش وألفاً من غطفان) ليُغِيروا بهم على ذراري المسلمين.
وفي بعض الليالي حمل نحو عشر من مقاتلي اليهود وشجعانهم إلى المدينة حتى انتهوا إلى البقيع فتصدّى لهم نفرٌ من المسلمين يرمونهم بالنبال حتى عاد القرظيون منهزمين بعد ساعة كما ذكروا لهم عمليات دهم واختطاف لحَرَس المسلمين على ممر قلاعهم إلى ثغور المدينة.
وأرسل النبي إلى المدينة إثر خبر بني قريظة وعزمهم علی مباغتة المسلمین مائتي مقاتل يكبّرون حتى الصباح، حتى زال خطرهم بنهاية الظلام. ثم قام المسلمون بإلجاء النساء والصبيان إلى مواقع آمنة وخندقوا حولهم يتعاهدونهم بأنصاف النهار خوفاً عليهم من بني قريظة.
وتوجه النبي إلی بني قريظة في اليوم الذي تفرّق فيه الأحزاب وانهزم فيه قريش وذلك بعد ترائي جبرئيل يأمر بلبس السلاح والتهيؤ لقتال بني قريظة. وكان النبي قد دفع الراية في غزوة بني قريظة لعلي بن ابي طالب وهي لم تُحلّ منذ رجوعهم من غزوة الخندق.
وأشارت بني قريظة على المسلمين بالاستسلام والنزول على ما نزلت عليه بنو النضير بأن تكون الأموال والممتلكات للمسلمين ويخرجوا هم من المدينة مع النساء والذراري، فأبى النبي إلا النزول على حكمه. والذي اضطرّهم إلى النزول على التحكيم – كما يفيده كلام ابن هشام – هو أنهم رأوا عليّاً قد هاجمهم ومعه الزبير وهو يصيح: “لأذوقنّ ما ذاق عمي حمزة أو لأفتحن حصونهم”، فلمّا رأوه يشتدّ إليهم، أخذهم الخوف والرعب منه وأيقنوا بالهلاك، وقالوا يا محمد رضينا بحكم سعد.



