الشاعر العراقي ناهض الخياط ومضاته الشعرية تأملات في الراهن اليومي


أحمد فاضل
كلما هممت بالتوقف لقراءة اشتغالات شاعرنا الخياط واستكشاف منجزه الشعري تهيبت الوصول إليه لأنه يضعني أمام سنين طويلة من دخوله ذلك المعترك، فليس من السهل عليّ وعلى أي متناول لتجربته الشعرية أن يختصرها ببضع صفحات مع أنها تحتاج كثيرا جدا منها كي نوفيه حقه، فالدخول إلى عالمه ذاك يفرض علينا أن نتسلح بما يتيح فهمه وكشف ما شكُل من معانيه، ولأنني أتابع منذ وقت ليس بالقليل ما ينشره من نصوص فقد أوقفتني ومضاته الشعرية التي سأحرص على تناولها هنا لسببين، الأول أنها محبوكة بتقنية عالية من المعرفة بأصول صنعتها والوصول بها إلى المتلقي بجزالة وفخامة معانيها ، أما السبب الثاني فهو صورها الشعرية المثيرة للدهشة وقريبة من الكليشيهات بشكل تراكمي حيث نجد الخياط يسعى جاهدا بعدم الافراط باستخدام الفواصل التي يمكن أن تكون ذات تأثير في قيمة تشكلها كومضة شعرية قائمة بذات الخلق الذي أرادها الشاعر لها:
أحيانا
عند كتابتي
يتداعى في رؤيتي
ما لاعلاقة له بفضاءاتها
فأصغي
لأسمع دوي ريح
وكيف يهمي على الغصون المطر!
هذه الومضة يمكن أن تكون أنموذجا لفلسفة الخياط وهو ينسج لنا بقية نصوصه القصيرة بتعاطيه الحدث واستعارته للمكان وتأثيثه للنص بما يتواءم والفكرة القائمة المؤسسة له، فهناك مشاهد لا تخلو من دراما شعرية قامت على كل تلك الدعائم من حيث الأسلوب والشكل، لغة وتعابير، كمشهد وحدة الشاعر حينما يجد نفسه في عالمه المنعزل:
في وحدتي
أترنم بشجني
كناي وحيد!
أو حينما يقترب من الموج ليسمع هديره، الموج هنا ليس بالضروة موج البحر، إنه موج الحياة حينما يعلو بكل ما يعلق به: أسى، لوعة، لم نعد نرى الأشياء هنا من فرط أحزاننا:
هديرك.. أيها البحر
من دلّنا إليك
ونحن تائهون
في الظلمة الحالكة!
أو:
هل تحجر الهواء
فلماذا
لا تلمس الأنسام
ستائر نافذتي؟!
تستدعينا تجربة الخياط الشعرية ونحن نقف على أعتاب ومضاته الموزعة بين المشهد الكلاسيكي والرومانتيكي والسريالي وهما الأقرب في بناء وحداتها إلى تقليب بعض صفحات تلك التجربة الغنية، فهو قد تخرج من كلية الآداب – جامعة بغداد 1957 وهذا يعني أن مدة الخمسينيات وما قبلها أواخر الأربعينيات قد عرفته شاعرا مطبوعا حتى وإن لم يكن معروفا في الساحة الثقافية الشعرية آنذاك، وأحسب أن شعره كان على المستوى الجامعي بحكم دراسته المنهجية له هناك، لكنه حتما قد تأثر بمدارسه القديمة والحديثة سواء المحلية منها التي كان من أبرز اسماؤها محمد سعيد الحبوبي، معروف الرصافي، جميل صدقي الزهاوي، محمد مهدي الجواهري، اضافة إلى اسماء شعرية أخرى كان وقعها كبيرا في العراق، أما على المستوى العربي فإن أغلب من تأثر بهم هم جماعة “أبولو” بزعامة احمد زكي أبو شادي في مصر وإبراهيم ناجي وعلي محمود طه وجماعة شعراء المهجر أمثال جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة وإيليا أبو ماضي وصولا إلى ما أحدثته في خمسينيات القرن الماضي نازك الملائكة من دور كبير في تجديد الشعر العربي هي وبدر شاكر السياب بتفاصيله المعروفة، وانطلاقا من هذا الواقع الذي فرض نفسه بقوة عليه يقول الخياط في حديثه لصحيفة “الحقيقة” البغدادية : “أنه هو المصدر الثري الذي بلور أفكاري ومشاعري”، من هنا نستطيع تحديد مرجعياته الشعرية في اختيارها طريقا له، ومع أنه وبعد أن عرف كشاعر تناول كتابته قديمه وحديثه بحكم وجوده بين تلك المدتين ومحاولا أيضا الكتابة للمسرح وللصغار أيضا متناولا حتى السياسي منها الذي كثيرا ما وجدته بين ثنايا ومضاته الشعرية التي يقول فيها:
أريد أن أذهب
لتمثال الحرية في أمريكا
لأرى
كيف تتحرك شفتاه
وماذا يقول!
أو:
تحت نصب الحرية
استعرض الجيش العراقي قواه وبسالته
فأين تقف الآن.. يا جواد سليم؟!
وقبل أن أودع مستودعه من الومضات أخال أني قد أمسكت ببعض مما يدغدغ العواطف فيهيج لها القلب مسرورا:
حينما تنفعل جميلتي معي
أصمت مندهشا
لذلك اللون الذي
تظهره الورود فجأةً
في خدود الجمال!
أو:لقد ملأ الفرح قلبي
وأنا أكتب مشهدا
لحبيب يحث الخطى للقاء حبيبته
أو:
تقولين:
لو تكتب اسمي
عنوانا لقصيدتك
لا.. !
فمَلاك الشعر
سينشغل باسمك عني!
ناهض فليح الخياط وهو يعيش عقوده الثمانية تجده شابا وهو يترنم بومضاته الشعرية حتى وهو يصارع القبح بالجمال وسنضيء له المزيد من الشموع حينما تمر أعياد ميلاده دليل بستان يحتفل بأزاهيره التي هي نبض حروفه ووهج لكلماته الباقيات ما بقيت الروح تمنحنا كل هذا الجمال.



