اخر الأخبار

الشكر .. من الأخلاق والآداب الإسلامية

عن أبي جعفر الباقر “عليه السلام” قال: “كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عند عائشة ليلتها فقالت: يا رسول الله لِمَ تُتعب نفسك وقد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر، فقال: يا عائشة! ألا أكون عبداً شكوراً ؟ قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقوم على أطراف أصابع رجليه فأنزل الله سبحانه وتعالى: طه * مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى.
الشكر هو عبارة عن تقدير نعمة المنعِم، وتظهر آثار هذا التقدير في القلب بصورة الخضوع والخشوع والمحبّة والخشية وأمثالها، وعلى اللسان بصورة الثناء والمدح والحمد، وفي الأفعال والأعمال بصورة الطاعة واستعمال الجوارح في رضا المنعم.. يقول المحقّق الطوسي قدس سره: “الشكر أشرف الأعمال وأفضلها، واعلم أنّ الشكر مقابلة النعمة بالقول والفعل والنيّة وله أركان ثلاثة:
الأوّل: معرفة المنعِم وصفاته اللائقة به، ومعرفة النعمة من حيث إنّها نعمة ولا تتمّ تلك المعرفة إلّا بأن يعرف أنّ النعم كلّها جليّها وخفيّها من الله سبحانه وأنّه المنعِم الحقيقي وأنّ الأوساط كلّهم منقادون لحكمه مسخّرون لأمره.
الثاني: الحال الّتي هي ثمرة تلك المعرفة، وهي الخضوع والتواضع والسرور بالنعم، من حيث إنّها هدية دالّة على عناية المنعِم بك وعلامة ذلك أن لا تفرح من الدنيا إلّا بما يوجب القرب منه.
الثالث: العمل الّذي هو ثمرة تلك الحال فإنّ تلك الحال إذا حصلت في القلب حصل فيه نشاط للعمل الموجب للقرب منه، وهذا العمل يتعلّق بالقلب واللسان والجوارح.
“أمّا عمل القلب فالقصد إلى تعظيمه وتحميده وتمجيده، والتفكُّر في صنائعه وأفعاله وآثار لطفه، والعزم على إيصال الخير والإحسان إلى كافّة خلقه، وأمّا عمل اللسان فإظهار ذلك المقصود بالتحميد والتمجيد والتسبيح والتهليل، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى غير ذلك، وأمّا عمل الجوارح فاستعمال نعمه الظاهرة والباطنة في طاعته وعبادته، والتوقّي من الاستعانة بها في معصيته ومخالفته، كاستعمال العين في مطالعة مصنوعاته، وتلاوة كتابه، وتذكُّر العلوم المأثورة من الأنبياء والأوصياء عليهم السلام وكذا سائر الجوارح”.
إنّ شكر نعم الحقّ المتعالي سبحانه، الظاهرية منها والباطنية، من المسؤوليات اللازمة للعبودية، فعلى كلّ شخص أن يشكر ربّه سبحانه,وعلينا أن نعرف أنّ شكر النعم يكون بحسب مقدرتنا المتيسّرة وهي محدودة، فلا أحد من المخلوقين يستطيع أن يؤدّي حقّ شكره تعالى. والسبب في ذلك أنّ كمال الشكر يتبع كمال التعرُّف على المنعِم وإحسانه، وحيث إنّ أحداً لم يعرفه حقّ معرفته، لم يستطع أحد النهوض بحقّ شكره.
إنّ منتهى ما يصل إليه الإنسان من الشكر هو أن يعرف عجزه عن النهوض بحقّ شكره تعالى، كما أنّ غاية العبودية في معرفة الإنسان بعجزه عن القيام بحقّ العبودية له تعالى. ومن هذا المنطلق اعترف الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم بالعجز، مع أنّ شخصاً لم يشكر ربّه ولم يعبده بمثل شكر ذلك الوجود المقدّس وعبوديّته,وبعد أن عرفنا عجزنا، فما هو المتيسّر من الشكر المطلوب ؟.
يكون العبد شكوراً، إذا علم ارتباط الخلق بالحقّ، وعلم انبساط رحمة الحقّ عليه من أوّل ظهوره إلى ختامه، علم بداية الوجود ونهايته على ما هو عليه. فما دامت حقيقة سريان ألوهية الحقّ لم تنتقش في قلب العبد بعد ولم يؤمن بأنّه لا مؤثِّر في الوجود إلّا الله، ولا تزال غبرة الشرك والشكّ عالقة في قلبه، لا يستطيع أن يؤدّي شكر الحقّ المتعالي بالشكل المطلوب. ومثل هذه المعرفة لا تحصل إلّا للخلّص من أولياء الله الذين كان أشرفهم وأفضلهم الذّات المقدّس خاتم الأنبياء صلى الله عليه وآله وسلم ، كما يقول الحقّ المتعالي: وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ.
إنّ الّذي يعتقد أنّ المخلوقات تُأثِّر بصورة مستقلّة، ولا يُرجع النعم إلى وليّ النعم ومصدرها، يكون كافراً بنعم الحقّ المتعالي، إنّه قد نحت أصناماً وجعل لكلّ واحدٍ منها دوراً مؤثّراً. قد ينسب الأعمال إلى نفسه وقد يتحدّث عن فعالية طبائع عالم الكون، ويُجرّد الحقّ عن التصرُّف ويقول إنّ يد الله مغلولة: غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى