منحوتات نجم القيسي.. محنة الإنسان العراقي بمواجهة القوى المهيمنة

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي..
يرى الناقد رحيم يوسف، إن النحات نجم القيسي قد كرّس تجربته الفنية الجمالية في التعبير عن الهم العراقي، ومحنة الانسان بالضد من القوى المهيمنة والضاغطة التي ترمي بكل امكانياتها ووسائلها لمحاولة الحط من انسانيته وسلب كرامته.

وقال يوسف في قراءة نقدية خص بها “المراقب العراقي”: “لعل جيل ما بعد الاستاذ الراحل اسماعيل فتاح الترك، عانى كثيراً من سطوته وتأثيره الكبير في النحت العراقي المعاصر، لانه ترك بصمة تجديده واسعة وتمكن من فرض حضوره فنياً ورؤيوياً، وأصبح من الصعب الفكاك من تأثيره الكبير، لكنه وأعني الجيل تمكن من ذلك شيئاً فشيئاً بالعمل والجهد والمثابرة، وذلك عبر مشاريع جمالية متطورة، تتفق في الرؤية وتختلف في الرؤى، بحيث تمكن المتلقي المتخصص من معرفة وتمييز التجارب والأساليب الشخصية دون عناء، وأقول المتخصص لعدم وجود اهتمام شعبي واسع بالفنون عموما، ويقتصر حضور الفعاليات الفنية المختلفة على النخب الثقافية لأسباب عديدة لسنا بصددها الآن، ومن التجارب التي تمتلك أسباب حضورها وتميزها في المشهد النحتي العراقي هي تجربة الفنان نجم القيسي”.
وأضاف: “ببساطة شديدة، استدللت على كم الانسانية الكبير الذي يحمله في داخله، من خلال الهدوء الذي يظهر على قسمات وجهه والمودة التي تفصح عنها ابتسامته الدائمة، هذا هو انطباعي عنه حين التقيته للمرة الاولى، ذلك قبل التعرف على تجربته الفنية المتطورة في عالم النحت العراقي، تلك التجربة التي تمتلك أسرار تميزها بين مجايليه من النحاتين على الرغم من التقارب النفسي الكبير بينهم، واقامتهم للمعارض المشتركة في مناسبات متعددة”.
وتابع: إن “نجم القيسي الذي كرس تجربته الفنية الجمالية في التعبير عن الهم العراقي، ومحنة الانسان بالضد من القوى المهيمنة والضاغطة التي ترمي بكل امكانياتها ووسائلها لمحاولة الحط من انسانيته وسلب كرامته، في زمن تواصلت أزماته الواحدة أثر الأخرى، وهو يكافح للتعبير عن ذلك من خلال رؤاه الفنية المتميزة المدعومة بوعي متقدم اكتسبه من خلال الدراسة الأكاديمية والقراءة والمشاهدات الواسعة”.

وأوضح: إن “القيسي الذي يعي جيداً محنة الوجود الانساني، يتأملها بهدوء شديد، وبالكثير من التعمق في جوانب تلك المحنة، بوصفه جزءاً منها، من أجل انتاج أعمال فنية تعبر عنها، لا تهرباً منها أو تمثيلها، بل من أجل طرح بدائل جمالية تقع في الصميم من تلك المحنة الأزلية، ولذلك فان معظم مشخصاته النحتية التعبيرية انحازت لهذا الجانب بالذات”.
وبين: إن “إخلاص الفنان لعمله يعد من أهم العوامل المحفزة التي تدفعه باتجاه تطوير تجربته الجمالية وذلك من خلال تطوير تلك التجربة بمرور الزمن واكتساب الخبرات حرفيا، ولذلك تمكن القيسي من طرح تجربة مدهشة في معرض باريس، فبعد تجاربه الأولى التي تمثلت بميله لخلق كتل ضخمة، وضحت فيها تأثيرات محلية وأوروبية تمكن من عبور تلك المرحلة في المعرض المذكور، فعمد الى خلق أعمال تميل الى الكثير من الاختزال، وهو يطرح فيها رؤيته عن الانسان المعطل بفعل القوى القدرية التي أشرت اليها سابقا في زمن يسير الى الامام، وذلك باستعارة ذكية للعجلة المربعة التي تشير الى زمنه العاطل المتوقف في اطار استمرارية الزمن من حوله، وفي جميع تلك الأعمال التي تعمد تضييع ملامح المشخصات تعبيريا للإيحاء بالخراب الجمعي المعطل حركات، ثمة توثب وكفاح مستمر لتلك المشخصات للانفلات من ذلك الواقع، على الرغم من إعاقة ذلك في العجلة المربعة التي تشير الى صعوبات حركية آنية”.
وأكمل: “في الكثير من الأعمال الفنية، لم تكن القاعدة التي ارتكزت عليها الأعمال سوى جزء جامد مكمل لآلية العرض، لكن القيسي تمكن ان يعطي للقاعدة قدرة حركية اضافية لأعماله، وأعني جعلها المحرك الأساس لتلك الأعمال، وقاعدة لانطلاقها باتجاه الآفاق المفتوحة التي يرمي اليها، مستثمرا فهمه المتقدم في الموازنة بين الكتلة والفراغ، بحيث يلاحظ ان تلك المشخصات تحاول التحليق في الفضاء المفتوح وهو الزمن المفتوح حتما”.



